الشاعر يؤرخ ما يشاهده من يوميات ويؤرخ للحياة ذاكرة الحياة.
تاريخ النشر : 2016-02-07 01:01
الشاعر/عبد السلام العطاري

رام الله – " ريال ميديا":

حوار ريم قمري:

يحتفي بالأرض، يستوقدها وإن لم تمسسها نار، مؤرخا يوميات الحياة، عرابا للريح في دوثان الذاكرة والتاريخ والانتماء.

الشاعر عبدالسلام العطاري وفي حوار أجرته الصحفية التونسية ريم قمري، يتحدث عن عدة قضايا ثقافية وإنسانية، وينتقل من هزج القصيدة على ضرورة الكلمة وقوتها، ومن المبنى إلى معنى أن تكون وتكون شاعرا.

فهل يحتفي بالأرض في نصوصه أو أنه يعيد كتابة الأرض وصياغتها؟
« هي الأرض تمنحني من لجفها جمرة المعنى فتصير الكلمات أنشودتها وما أنا إلاّ أعيد توظيف استوقادها، وإن استوقدتها فثار دفء الأرض وخلعت عن جسدي نحولة الضعف وصرت زيوسَ السماء... أعود كما تريد وأريد نصاً بسنابل ترمي حنطتها انتماءً وتراثاَ وتأريخاً... الشاعر يؤرخ ما يشاهده من يوميات ويؤرخ للحياة ذاكرة الحياة».

القصيدة معول التغيير
وعن قوة الكلمة وأثرها في التغيير يرى العطاري بأن القصيدة معولا للتغيير ولكن « عندما كانت تتفرد بالموقف وتثوّر قاع المدينة وتلال الريف العالية، والقصيدة وحدها تمتلك القدرة على جعل الحياة ممكنة كما يتطلب أن تكون عليه الحياة المتجلية بكرامة.

ضعف الفعل من ضعف الناتج
تابع العطاري حديثه مضيفا: « ولكن في ظل اختلاف القصيدة بمضمونها ووعيها وبناء سياقها ... هرمت وأصبحت لا تقوى على التغيير في أَلفِيتنا الثالثة، وهذا يعود إلى ضعف فعلها الناتج عن ضعف وضعها وتكاثر الآباء الذين يدّعون أبوة القصيدة ويمهرون تحت بضع كلمات بشاعر.. ليس عيباً هنا االمحاولة والعيب في سلالة النقد الموضوعي البنائي لدفع مكانة الكتابة ليرتفع معناها وتكون محل تغيير وفعل... فالكلمة التي تُكتب بالرصاص وبالحبر عليها أن تسيل دماً في شريان الحياة... إن لم تفعل ذلك فهي السمّ القاتل بامتياز.

قصيدة الأرض تولد من الأرض
مع وجود مصطلح أدب المقاومة، والذي بدأ ببداية النضال الفلسطيني، ويرى البعض أن هناك من استحدث مفهوم أدب الانتفاضة كالعطاري وفي هذا السياق يقول الشاعر: « لا يمكن أن أصنف ما أكتب، وما أكتبه يصنفه من يتابع قصيدتي، وينقدها ويصرّفها وفق مضمون ما يراها عليه، كتب بهذا الشأن عني إني أكتب قصيدة الأرض، وقصيدة الانتفاضة أو المحركة لفعل التجدد والتغيير الدائم، فقصيدة الأرض تولد من الأرض والكون يتسع لها فهي العاشقة والمعشوقة وفيها ما يؤل وفيها ما لا يحتمل، قلت قديما: اكتب للأرض وللمرأة التي وجدتها في ثوب أمي المحرّضة على الانتماء لغراس أرضنا... أكتب لأشعر أن الأرض قطارٌ يصعد إلى سماوات المحبة والسلام والحق الذي نناضل ونكافح من أجله.. أكتب من أجل أن تتثاءب حبيبتي شمس نهار الحرية وأن تغسل وجهها بياسمين حدائق لم يمسسها خطو الاحتلال ليلاً.. أكتب من أجل أن تصير (تيماء) عرساً للنهار وتصير أنشودة للمساء.. وأكتب من أجل أن يصير الشعر شرطي المرور وحارس ليلنا.. أكتب لننام على هزج القصائد ونصحو على عالمٍ خالٍ من الضغائن والأحقاد».

القصيدة بين الجرأة والسفور
ما بين الجرأة والسفور يرى العطاري أن الشعر أو الكتابة وفعلها لا اشتراط فيه ولا محاذير وإنما ليس السفور الذي لا معنى له، ولا يكون إلاّ من أجل استعراض بطولات لا علاقة لها بالجرأة ولا بالقوة ولا ببلاغة النص، فثمة فرق بين الإلحاد والاعتقاد وثمة فرق بين الحرية الفكرية والإباحية... ويضيف: « ما يراه الشاعر ضرورة فهو ضرورة، وعليه ألا يتصنع وإنما يصنع بجودة عالية وتقنية سليمة فذّة، اعتقد أنني اكتب وفق هذه القاعدة لا علاقة لها بالجرأة ولا بغيرها، ليس هناك نص جريء وارفض ما يذهب إليه البعض، الشعر خلق من رحم الجرأة بالطبع ولا يحتاج لهذا الوصف لأنه هو الصفة والموصوف ومالك هذا الحق».

الديوان البكر
« صدر لي ديوان « دوثان» العام 2007 عن بيت الشعر الفلسطيني.. هذا البكر الذي أحببته وأحيانا لا شريك أحب أن يكون له.. مكثر في الكتابة.. ومقلٌ في الإصدار.. رغم أن غير دار نشر طلبت طباعة « ديوان عرّاب الريح « الذي عرفت قصائده ولم تصدر بين دفتي كتاب .. وهناك مخطوطة ثالثة « بعنوان الخروج على الحياة» أيضا مصيرها مصير عرّاب الريح .. ربما بت أميل إلى هذه الفلسفة: أن أطلق القصيدة وحدها دون توابع قبلها أو ملاحق تليها.. لعل من يروق له ما اكتب فيطلقها دون إذن أو استئذان ويجمع ويعنون كما يريد .. هي قصائد ضالة في فضاء الله والناس والمحبّين.. ولكن ربما أعود إلى التقليدية وأعمل على ذلك.
ولكن لا بد من فعلٍ جميل كي يرث « دوثان» ويتجاوزه.. ربما حان موعد ولادة « عرّاب الريح» بعد طول انتظار.!!»

أرض القصيدة وفضاؤها
تعج الساحة الثقافية العربية بالعديد من الشعراء الشبان، خاصة مع اتساع مساحة و إمكانية النشر و الكتابة عبر الانترنت، وهي نعمة لمن عرف ما يريد منها ونقمة لمن أساء استخدامها وعن رأي العطاري بهذا الخصوص يقول: « دعيني أقول الساحة العربية تعج بالمحاولات الإبداعية وهذه ظاهرة جميلة رائعة تستحق المتابعة وتستحق أن نتفاعل معها لأن التفاعل الايجابي بالتأكيد يفضي إلى خلق حالات تستحق أن تكون وتحمل تحت قصائدها التوقيع بالشاعر.. ولا يقاس هذا اللقب بحجم الإنتاج بقدر ما يقاس بالنوع المنتج والمؤثر، فكما أؤمن بما يقول نيتشة « أن الشاعر يكتب قصيدة واحدة في حياته وما قبلها مجرد تنويعات وتهويمات» وليس من السهل إطلاق كلمة الشاعر أو الروائي أو القاص على أي فرد يحاول فعل الكتابة، وأنا أتابع بجدية حراك المشهد الشعري الذي حتما سوف ينتج عنها ما يستحق الوقوف عنده وأيضا هذا دوري كمسئول عن ملف الآداب والنشر بوزارة الثقافة الفلسطينية وهذا مجال اهتمامنا.
أما بشأن النشر الالكتروني الذي خلق حالة من التواصل والتعريف والاطلاع وأثرى لمن انتبه جيداً للاستخدام الهادف لوعيه المعرفي بالقصيدة، ولا يغني هذا الفضاء من حالة الوقوف على أرض الواقع».

خارطة الإقصاء
عندما يتداخل الشاعر بالسياسي فكفت من سترجح؟ وكيف للعلاقة بينهما أن تكون يتابع العطاري بقوله: « المثقف برأيي سياسي بالطبع، إذا ما كان المثقف سياساً وبرسم القرار اعتقد أن ثمة أمور تتغير للصالح العام أكثر من سياسي بالصدفة، أو بمدى تقرّبه من مراكز صنع القرار الدائمة أو بقدراته غير الثقافية في الصعود إلى سدة الفعل القرار والفعل السياسي... هذا المدخل يجعلني أقول أن الشاعر لا يطيق مجاورة السياسي إذا كانت القاعدة كما قلت عليها الآن بوضع واقع السياسي، في زمن الساسة غير الراشدين بالفعل كونهم يتحكمون بالأمعاء وبسد الجوع، وأما الشاعر فهو يقاتل بأمعائه الخاوية وعقله الممتلئ ولا يسعى لإسكات جوعه بقدر ما يجتهد لتثويرها كي تسد رمقها بكرامة والكرامة بالتأكيد دائما لا يمكن أن تصل إلى حد إسكات الأمعاء لأنها إذا وصلت إلى هذه المرحلة يكون السياسي (الصدفوي ) المتحكم برأس المال هو من ينتصر... هذا في زمن خارطة تاريخ وجغرافية الإقصاء..»

معرض الكتاب وصعوبات التجربة
« كانت التجربة الأولى لي بالمشاركة بإدارة معرض فلسطين الدولي بطبعته الثامنة، بجانب زملاء لهم من الخبرة والتجربة على مدار سنوات عمل وزارة الثقافة» كما يقول العطاري عن تجربته ويضيف: « ومن وجهة نظري ليس من السهل انجاز دورات المعرض وهذا ما أدركته فعلا من هذه االتجربة التي سعدت بها وعلمت مدى الصعوبة والجهد الذي كانوا يبذلونه الزملاء ونحن ما زلنا تحت احتلال يبذل ما بوسعه من اجل خلق كل العراقيل التي تحول أمام نجاح أي فعل فلسطيني كونه المتحكم بكل شيء. السماء والهواء والأرض والبحر.»
ويتابع العطاري حول الصعوبات التي لم تقتصر على الاحتلال فقط بقوله: « ومدى الصعوبة أيضا بالتقريب بين أمزجة المثقفين الفلسطينيين فالمعرض حالة فريدة رائعة وجميلة رغم ما نتعرض له من انتقادات رغم قناعتي أن هذه الانتقادات تصب فعلا في خانة التصويب والرغبة بأن تكون فلسطين مميزة بحدثها الثقافي الكبير، فكان المعرض البيت الجامع لكل المثقفين وكان تميزه أيضا بحجم المشاركة العربية سواء على صعيد الكتّاب والأدباء أو على صعيد دور النشر العربية التي شاركت بزخم كبير في المعرض رغم توقيته غير المناسب، ونحن بوزارة الثقافة أكدنا هذه المسألة التي سوف نتجاوزها في دورته التاسعة العام 2014.»

 الحياة الثقافية - تحرير- توفيق العيسى: