عبد السلام عطاري :
كانت "النزلةُ" على المدينة "جنين" فرحةً كبيرة، لها تحضيراتٌ خاصّة حيث يُشاع خبرُها في الحارة والحارات المجاورة لحارتنا "التحتا" بهذه الزيارة المستقبلية، إذ كانت لا تحدثُ إلا في المناسباتِ السنويةِ الضروريةِ وخاصة قُبَيْلَ عيدِ الفطر السعيد؛ في حال كان من الصعب على أمي رحمها الله وفيما بعد أختي وزوجة أخي وخالتي عائشة رحمها الله؛ قياس "بنطال العيد السنوي"، وكانت مناسَبةً أيضًا لشراء "شقفة" هريسة من الكراج، واحتمالًا كبيرًا جدًّا لشراء رغيف -سندويش- فلافل معززًّا بقنيّة "كازوز أطلس"، هذه ذاكرةٌ لا تنسى كلّما هبطنا المدينةَ في مناسبات سنوية؛ رغم أنّ الحظّ ضرب معي في فترةِ عمر الصبا عندما سكنت أختي وزوجُها المدينة، فكان المبررُ القويُّ غير القابل للنقض أن أزورها بين الفترة والفترة بحجة إرسالِ لبن أو جبنة لهم، أو حوائج وأغراض مما أنبتت المقاثي في السهل، ما بين اليوم والأمس غاب كراجُ السيارات والباصات، غابوا وباعة الهريسة والفلافل، وتغيّرت معالمُ قاعِ المدينة، وغاب بين بنايات مكتظةٍ في غابة الحجارة،
وصوت الأغاني التي اقتلعتْ طلعات وعنّات الحادي والشبابة واليرغول التي كانت تمسح عن قلوبنا حرارةَ صيفِ المدينة ورطوبتها، وغابت "باصات" أبو خالد وأبو السعيد، وغابت سيارات يحيى وحمزة وأبو صبحي وغيرهم من سائقي الذاكرة التي لن تتكرر.
