غسان الذي أعرفه
تاريخ النشر : 2019-07-08 19:44

محمد نصار *:

عرفته منذ سبعينات القرن المنصرم وتحديدا بعد استشهاده بفترة وجيزة، حيث تناقلت وسائل إعلام العدو في حينه، خبر مقتله كانتصار كبير وإنجاز قد تحقق، بل وصل الأمر برئيسة حكومة كيانه في ذلك الحين "جولدا مئير" ، أن تعلن متباهية، أن قتله يعادل قتل ألف فدائي فلسطيني.
كنت حينها في الرابعة أو الخامسة عشرة من عمري، أفتش بين ثنايا الكتب عن متنفس، أو نافذة أطل من خلالها على العالم، إذ لم يكن أمامي في حينها سوى الكتاب أو المذياع، للهروب من واقع يغص بالجند والبنادق وحظر التجوال وكل منغص قد يخطر ببال، أستعير الكتب من مكتبة المدرسة وفي حالات نادرة أشتريها، أو أتداولها مع بعض الأصدقاء إن وجدت.
من هو غسان؟، من هذا الرجل الذي كان لاستشهاده كل هذا الصدى والضجيج وكيف لم نقرأ له شيئا من قبل، أو حتى نسمع به أنا وأبناء جيلي في تلك الفترة، كانت تلك هي البداية التي دفعتني إلى معرفته والولوج إلى عوالمه التي لم نطأها من قبل، ومن خلال رحلة البحث الدؤوبة وقعت على روايته رجال في الشمس، فشكلت العتبة الأولى في الدخول إلى عالمه السحري، بكل ما فيه من جمال ووجع، ثم توطدت العلاقة بيننا وتنامت من خلال أعماله الأخرى، أم سعد وماذا تبقى لكم، أرض البرتقال الحزين، عائد إلى حيفا...الخ من أعماله الخالدة.
لاكتشف بعد حين فداحة الخسارة التي ألمت بنا، إثر غياب هذه القامة السامقة عن المشهد الأدبي والفكري في ريعان عطائها، إذ لم يكن غسان مجرد أديب يحاول أن يوصل ما يعتريه من أوجاع وهموم إلى العالم ولا إيديولوجي يطرح أفكارا وقناعات يؤمن بها، أو فنان يبهره الجمال وسحره، كأي كاتب أو فنان يحمل رؤاه وأفكاره، بل كان حالة نادرة.. متفردة، لا تتكرر إلا لماما، وربما كان كل هؤلاء مجتمعين معا وعلى نحو خاص ومميز.
لقد قالوا كثيرا في غسان، حياته .. نشأته.. هجرته.. تعليمه.. عمله وترحاله، علاقاته الانسانية والعاطفية.. مرضه وآلامه، لم يتركوا شاردة أو واردة في جوانب حياته إلا وتناولوها بالدرس والتحليل، كما امتلأت صفحات الكتب والدراسات بالحديث عما كتب ، محاولين اكتشاف مراميه شكلا ومضمونا وفهم الدلات المرتبطة بها، الجماليات والفنيات التي وظفها لإيصال أفكاره ومازالوا إلى اللحظة يخوضون التجربة مرة تلو أخرى، رغم رحيله الذي مضى عليه قرابة نصف قرن.
وهو ما يحيلنا بدوره إلى النظر بتمعن في تجربة الرجل، الذي شكل حالة نادرة تشبه الأسطورة في الكثير من جوانبها، فكيف استطاع في هذاالعمرالقصير 36 عاما، والتي قد يكون منها ما يقرب من عشر سنوات ونيف، هي من شكلت العمر الحقيقي للكتابة التي انتجت كل هذا الإرث العظيم وأثارت كل هذا الجدل والنقاش حتى يومنا هذا.
باعتقادي المتواضع أن الرجل كان استثناء نادرا، لم يشغله شيء عن قضاياه التي آمن بها، كان مسكونا بالأدب.. معجونا بهمومه، مؤمنا بقدرته على حمل رسائله إيمان العابد الزاهد، صادقا في التعبير عما يعتريه على نحو لا يدانيه الشك، منتميا لقضيته كما لو أنها أنفاسه التي لا غنى عنها، فكان الصدق الذي وصل إلينا جميعا وعاش معنا وسيبقى.
لقد قلت في لقاءات سابقة اثناء حديثي عن غسان، لو أن هذا الرجل لم يجر اغتياله بهذه الطريقة المجرمة، لمات كمدا.. أو مات نزفا، لأنه كان يكتب بدمه، كنا نشم عبق دمه بين السطور ومن يقرأ سيرة الرجل يرى تلك الحقيقة، ظاهرة للعيان، إذ كان يقرأ بنهم من لا يشبع ويعمل بجد من لا يعرف الكلل ويكتب كمن يستبق النهايات، بل أكاد أجزم بأنه كان يستشعر قرب نهايته وأنه سعى جادا لأن يقول كل شيء قبل أن يصل إليها، أو تباغته على حين غرة، لكن يد الغدر لم تمهله حتى يحقق ذلك الحلم ... رحم الله غسان، فقد كان منارة اهتدى بهديها الكثيرون من بعده، فلقد رحل عن عالمنا وترك لنا السؤال العالق بلا إجابة إلى الآن، ماذا لو امتد به العمر إلى يومنا هذا، فما الذي كان سيكتبه وما الذي سيقوله في هذا الواقع الذي يفوق الخيال في غرائبيته وانهزامه ؟.

* كاتب فلسطيني: