الاحد 01 فبراير 2026

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.78 3.8
    الدينــار الأردنــــي 5.35 5.37
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.04 4.06
    الجـنيـه المـصــري 0.1 0.12

غزة… من ركام الإبادة إلى “سنغافورة جديدة” أم إلى مختبر هيمنة؟

  • 13:37 PM

  • 2025-12-22

وسام زغبر *:

ليست كل الخطط التي تُقدَّم باسم “إعادة الإعمار” بريئة، ولا كل الوعود التي تُغلف بلغة الازدهار تحمل في جوهرها خلاصًا للشعوب. فوفقًا لما كشفته صحيفة وول ستريت جورنال، جرى خلال الأيام الـ45 الماضية إعداد مخطط من 32 صفحة تحت اسم “مشروع شروق الشمس”، شارك في صياغته فريق تقوده إيفانكا ترامب، ووكيل عقارات مقرب من دونالد ترامب، وبمشاركة مسؤولين في البيت الأبيض وإسرائيليين، وبالتشاور مع مقاولين من القطاع الخاص. خطة تُسوَّق بوصفها بوابة لتحويل غزة المدمرة إلى “مدينة ساحلية عالية التقنية”، أو كما يُراد لها أن تُقدَّم: “سنغافورة جديدة على شاطئ المتوسط”.
الخطاب جذّاب: نقل السكان “من الخيام إلى الأجنحة الفاخرة”، و“من الفقر إلى الازدهار”، وتحويل الدمار إلى فرصة. لكن خلف هذا البريق، تكمن أسئلة جوهرية لا يمكن القفز عنها. فالمخطط لا يتعامل مع غزة كقضية تحرر وحقوق وإنهاء احتلال، بل كمساحة فارغة قابلة لإعادة التصميم، وكأن الإبادة والدمار كانا مجرد مرحلة تمهيدية لمشروع استثماري ضخم.
تعيد الخطة تصور غزة صراحةً كـ“مدينة ذكية مدفوعة رقميًا”، بحكم مركزي تكون فيه التكنولوجيا في القلب، لا مجرد أداة. أنظمة اتصالات وأقمار صناعية، هوية رقمية وأطر “ثقة”، خدمات ذكية للمرافق والنقل والإدارة الحضرية، ومكتب رقمي مركزي يضع المعايير ويوجه السياسات. هنا لا نتحدث عن إعمار بالمعنى الإنساني، بل عن نموذج حكم يُبنى فوق الركام، تُدار فيه الحياة اليومية عبر منظومات رقمية تخضع لرقابة مركزية صارمة.
الدلالة الأخطر أن الولايات المتحدة تلتزم بتمويل نحو 20% من كلفة المشروع عبر منح وضمانات ديون على مدى عشر سنوات. والولايات المتحدة، كما هو معروف، لا تستثمر في مشاريع “مهددة”. ما يعني أن الخطة تفترض بيئة سياسية وأمنية مُسيطرًا عليها بالكامل. أما باقي الكلفة، فـ“ستمولها غزة بنفسها”، وتسدد ديونها لاحقًا، في ما يبدو عبر استغلال غاز غزة المنهوب أصلًا منذ عقود. هكذا يتحول القطاع من ضحية حصار وإبادة إلى مدينٍ مطالب بتمويل إعادة إنتاج واقعه الجديد.
الأكثر فجاجة أن الوثيقة لا ترى في دمار غزة كارثة إنسانية، بل “فرصة” لصناعة نموذج عالمي للتجديد، ووضع غزة كممر تجاري يربط الشرق الأوسط بأفريقيا. أي أن الجغرافيا تُستثمر، لكن الإنسان يُختزل إلى رقم في معادلة اقتصادية. حتى إعادة الإعمار نفسها مشروطة ومجزأة: تبدأ من رفح وخان يونس، ثم الوسطى، وأخيرًا شمال غزة، بعد “تنظيف” كل منطقة من الأنقاض والذخائر والأنفاق. شرطٌ أمني قبل أن يكون عمرانيًا.
وفق الخطة، ستضم “رفح الجديدة” أكثر من نصف مليون نسمة، مع مئة ألف وحدة سكنية، ومئات المدارس والمراكز الصحية والمساجد، واستثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية والمناطق التجارية. أرقام ضخمة، لكنها تُطرح بلا أي حديث عن السيادة، أو عن حق الفلسطينيين في تقرير شكل مدينتهم ونظام حكمهم، أو حتى عن محاسبة من دمّر هذه المدن أصلًا.
إن تشبيه غزة بـ“سنغافورة جديدة” ليس بريئًا. فسنغافورة نموذج دولة-مدينة شديدة المركزية، قائمة على الانضباط الصارم، والرقابة، واقتصاد الخدمات، مع هامش سياسي محدود. السؤال: هل المطلوب لغزة أن تُبعث من تحت الأنقاض كفضاء مزدهر بلا حرية، ذكي بلا سيادة، غني بلا عدالة؟
غزة لا تحتاج إلى “مشروع شروق” يُدار من غرف مغلقة في واشنطن وتل أبيب، بل إلى شروق حقيقي يبدأ بإنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، وضمان حق أهلها في الحياة والقرار. دون ذلك، ستبقى كل “المدن الذكية” المقترحة مجرد واجهة لهيمنة جديدة، تُبنى فوق ركام مدينة أُريد لها أن تنسى جراحها قبل أن تُداوى.

*صحفي من شمال غزة وعضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين:

الآراء المطروحة تعبرعن رأي كاتبها أوكاتبته وليس بالضرورة أنها تعبرعن الموقف الرسمي

لـ"ريال ميديا" 

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات