الاربعاء 10 اعسطس 2022

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.33 3.35
    الدينــار الأردنــــي 4.7 4.72
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.39 3.41
    الجـنيـه المـصــري 0.18 0.19

قراءة تحليلية لديوان (ساقية تحاول الغناء) للشاعرة ألاء القطراوي

  • 11:32 AM

  • 2022-07-24

محمد جلال عيسى:

حصل ديوانُ (ساقية تحاول الغناء) للشاعرة ألاء القطراوي على أفضل ديوان شعر فئة الشباب وفاز بجائزة سعود البابطين الثقافية الدولية، وبالانتقال إلى الديوانِ نجدُ أنَّ الشاعرةَ ألاء القطراوي اختارت ألفاظَ وتراكيبَ ديوانِها (ساقية تحاول الغناء) من خلالِ صياغةِ أحاسيسَها وعواطفَها، ولكنَّ هذا لم يمنعها من استخدامِ الكلماتِ المألوفةِ، ولكن بتشكيلاتٍ خاصةٍ تجعلُ لها بريقا ًيتلاءمُ مع السياق،  فتارةً تقتربُ من المتلقي، وتبتعدُ أحياناً أخرى، ولكنَّ الشاعرة كثيراً ما تحاولُ أن تكونَ قريبةً من المتلقي، فالدوانُ يعكسُ على نحو ٍواضحٍ مدى الثراءِ اللُغوي عند شاعرتِنا الأمرُ الذي يسهمُ بشكلٍ واضحٍ بالتكثيفِ الدلالي، وكثرةِ الانزياحاتِ داخلَ الديوانِ، ومن أمثلة هذا قصيدة (النِّصف المشتهى) والتي تقول فيها:

لو لم أقع في نصفِ قلبي

لاشتهيتُ بأن يكونَ غمامةً

تروي العطاشى في الطريقْ

صفصافةً مالت لتحني جذعها للعاشقينَ

ولا تضيقْ

هنا تتمنى الشاعرةُ أن تكونَ أشياءً لم تنلها كأنَّ تخرجَ من محدوديةِ قدراتِها الإنسانية لتفيضَ بعطاءاتٍ أكثرَ، وتمتازُ اللغة هنا بخاصيةِ التفجير لتقديمِ نصوصاً ثريةً ومغايرةً، الأمرُ الذي يمنح التجربة الشعرية عند ألاء القطراوي مزيداً من النضجِ والاندفاع نحو تحريرِ القصيدةِ من طابعِها الجامد، ومن ذلك قولها:

لو لم أقعْ في نصفِ قلبي

لاشتهيتُ بأنْ يكونَ

النايَ حينَ يضمُّ جرحاً في الشهيقْ

أو أي صبحٍ مدَّ للنهرِ

ارتعاشتهُ

وأنقذَ كل موّالٍ غريقْ

لو لم أقعْ في نصفِ قلبي

النَّايُ والغرقُ هنا إشارةٌ لما هو غارقٌ في صدرِها وتريدُ البوحَ به على شكلِ موالٍ، وهذا دلالةٌ على تبصرِ الشاعرةِ وتوحدِها مع الأشياء المحيطة بها، وهذا ما يظهرُ لنا في النَّصِ على شكل قممٍ إبداعيةٍ تتصادى وتتنامى في حضنِ التجربةِ عند القطراوي عبر فضاءاتٍ تكشفُ ما بين السطورِ داخلَ القصيدةِ، وهذه الرؤى توطدُ الصلةَ مع الشاعرِة وتعمق من نظرتِهِا للأشياءِ المحيطة، بالعالمِ الخارجي، بالتحولاتِ المجتمعية، ويظهرُ هذا جلياً في قولها:

لو لم أقع في نصف قلبي

لارتفعتُ غمامةً

رشّتْ بساتيناً

على قَبْرَينْ

ومسحتُ فوق جبين دجلةَ

كي تجفَّ دموعهُ

هنا تتمنى أن تكونَ الأمُ التي تمسحُ دموعَ أهلِ العراق، العراق الجريح الذي يبكي ويشكو، ورغم هذا فإنَّ الشاعرةَ ألاء ظلت واضحة ًفي صراعِها مع كلِّ قيدِ يواجهُها، حيث تقولُ في قصيدة (حنَّت لضمة)

دمعةٌ في عيون درويش تكفي

كي تزيد السماء مليونَ نجمة

موطني في شفاه طوقان طفلٌ

مثقلٌ بالأسى يخبّئ يتْمَهْ

هكذا لا تجوع روح بلادي

ينبتُ الجوع في المخيم كرمةْ

تجسدُ الشاعرةُ هنا معاناةَ الفلسطيني المهاجر المتشبث بأرضِهِ فتجدُها في دمعةِ شاعرِ الوطنِ درويش وشفاهُ فدوى طوقان لتتحولَ الدموعُ في عيونِهم إلى سهامِ كبرياءٍ وقدائفَ تزلزلُ كيانَ المحتلِ الغاصبِ وتجعلُ الشاعرةُ الطفلَ الفلسطيني المثقل بالأسى رمزا ًللقوة ِوالبقاء، وهي في هذا النصِ تمزجُ بين الجوعِ والقهرِ والأسى، وشخصية الفلسطيني المقاوم، الذي يستمدُ كرامتَهُ وكبرياءه مما يعانيه من الأسى فلا يتراجعُ ولا يستسلم.

وفي قصيدة (رجفة السنديان) نلحظُ عاطفة ًجياشةً، توحي بالحنينِ الذي يكمن في نفسِ مغتربٍ يخرج على لسانه:

أحنُّ كثيراً

لشيءٍ أراهُ ولستُ أراهْ

لليلٍ يحاورني بالشفاهْ

لقُدّاسِ شوقٍ

يضيءُ على العالمينَ جنوناً

هواهْ

لساقيةٍ تثقب الليلَ ضوءاً

وتُرجِعُنَا للحياةْ

أحنُّ لنافذةٍ من قصائدْ

لدربٍ أسيرُ بهِ ثمَّ لستُ أفكّر

نرى هنا بأنَّ الشاعرةَ يعتليها الأملُ سلحُها الأوحدُ فالشوقُ والحنينُ يشدُها لذاك الحلمِ الجميل، فالحنينُ هنا ينتجُ ما تحلمُ به الشاعرة وتتمناه أن يكونَ لكنه لا يكون، فقدمت الشاعرةُ الحنينَ على الليلِ لأنَّ هذا الحنينَ هو الذي يبعثُ الحياةَ فيها وقدمت أيضاً الضوءَ على الحياةِ لأنَّ الحنينَ هو الضوءُ الذي يجعلُنا على قيد الحياة، أما في قصيدة (أسميه ناياً)  فتقوم الشاعرة ُببناءِ وقائعَ وأحداثاً تقحمها في النَّص لتكونَ جزءا ًمنه، لتجعلَ من القصيدةِ وسيلةَ اتصالٍ وتواصلَ من خلال التكتيكِ المُستخدمِ في القصصِ بغية تقديمِ المحتوى النفسي للشخصيةِ، فالشاعرةُ في معظمِ هذه القصيدةِ تريدُ أن توصلَ لنا مدى التوترِ  العاطفي الذي يسيطرُ على مشاعرِها تجاهَ هذا المحبوبِ الذي هو أقربُ ما يكونُ إلى الوطنِ الذي تسميه ناياً فتقول:

أقولُ : أتسمعُ ناياً قريباً ؟

يقولُ : أنا الآن أسمعُ قلبَكْ

فسمّيهِ ما شئتِ إذ لم أجدْ

كلاماً يقدّسُ في الشعرِ حبّكْ

* * *

ألا فاغفري .. ألا فارحمي

فذاك ارتجاف الهوى في فمي

فمنذ شهدتُ تساقطَ نايكِ

ما عدتُ من مطرٍ أحتمي !

تُظهرُ هذه الأبياتُ العاطفةَ المسيطرة على عقلِ الشاعرة ونفسيتِها، حيث تتلاقى الشاعرُ مع هذه العاطفةِ في محاولةٍ منها لإقناع نفسِها بأنَّ كلَّ الكلامِ لا يفي بمقدارِ حبها لهذا الوطن وتطلبُ المغفرةَ لأنَّها ضعيفةٌ أمام َهذا الحبِّ، أما سقوطُ الناي هو بالدرجةِ الأولى يحاكي سقوطَ الوطنِ الذي لا تبالي شاعرتُنا بشيءٍ بعده.

وإنَّ من يقرأ القصيدةَ للوهلة ِ الأولى يعتقدُ بوجودِ صوتين متحاورين في النص ِوفي الحقيقةِ فإنَّ الشاعرة قد وظفت المنولوج الداخلي كي تُشركَ المُتلقي في الحالة ِالشعورية ِالتي تنتابها، فهي تحاولُ أن تؤكدَ لنا فكرةَ الثباتِ والصُّمودِ على حبِّها، رغمَ كلِّ الصعابِ واحتمالِ الوجع فتختتم قصيدتَها قائلةً:

لنكتبَ في العشقِ أسطورةً

تخلدها الأرضُ ، بل والسماءْ

حبيبان مهما يجيء الزمانُ

بما لا نحبُّ

وليسَ نشاءْ

فالشاعرة ُمُيقنةٌ تماما ًبأنَّ الشوقَ والحبَّ فيها كبيران  فتختمُ ب(بما لا نحلم وليس نشاء) فمهما كانت الظروفُ عصيةً ورغمَ كلَّ ما يتعرضُ لوطننا سيبقيان حبيبان.

وفي قصيدة (أنثى من ضوء)  أبرزت الشاعرةُ مدى التداخلِ بين المكانِ والذاتِ الفلسطينية التي ترفضُ الذلَ، والقيدَ، والحصار،  بشكلٍ جماليٍ من خلالِ المفارقةِ بين مشاعرِ الحنينِ والرفضِ والصمود، تقول:

يفورُ دمعي على القضبانِ محترقاً

وتشهقُ الريحُ ملءَ الكونِ في رَحِمِيْ

بي حزن أمٍ على طفلٍ سيسألها :

عن ملمسِ الرملِ إنْ غارتْ به قدمي !

أقول للريحِ : إنَّ ابني سيمنحها

سرّ الضياء وإنْ ألقَوهُ في الظُلَمِ

تعيشُ يا ابني كبيراً في البلادِ فلا

تحبسْ جنونكَ ، حرٌّ أنتَ في الحُلُمِ

أطلِقْ عصافيركَ الخضراءَ أغنيةً

لترسمَ الحبَّ مجدولاً على العلمِ

في القدسِ ينطقُ مَنْ في المهدِ كلهمُ

وينجبُ النخلُ آلافاً من القِمَمِ

وقد وظفت ألاء القطراوي التكرارَ في قصائدِه بصورة ٍجمالية ٍتحتملُ إيحاءاتٍ ودلالاتٍ ورموز فنية عميقة ويُعد التكرارُ من الظواهرِ الأسلوبيةِ التي يلجأُ إليها الشعراءُ في البناءِ الشعري ليعملَ وظيفته الدلالية ووظيفته الجمالية المتعلقة بالوزن والإيقاع، مما ينتج عنه تناغماً موسيقيًا ممتعاً.

       أما معماريةُ القصيدة عند ألاء القطراوي في ديوان (ساقية تحاول الغناء) فإنَّها تتمثلُ في الأشكالِ التالية:

القصيدة العمودية (حنّت لضمة، أنثى من الضوء، تراتيل العنقاء، يوم حرقت الحمامة البيضاء، رقصة الكبريت، في ابتهال النار، جموح،  مترنحان، رؤيا، دروشة وظل وحي، نصفي فراشة ونصفي شمعة، غيمة تسهر معي، شالها يغني، برزخ الذكريات)

القصيدة التفعيلة (لو أن قلبك، مراج للنجيل المسجى، لا أخاف على الشهداء، النصف المشتهى، جبل ينحل، مواعيد معلقة للغناء، كوتشير لحنين الظباء، مترنحان، كشف الحب، حجب الغواية، الوجه الآخر للمرآة، غيمة تسهر معي)

تداخل العمودي بالحر (ساقية تحاول الغناء، تعويذة لمشرد في الحب، رجائي بحبك، مرايا خائنة، حدّ أعلى التعب، رجفة السنديان)

هذا وتثيرُ بعضُ قصائدِ الديوانِ في انتباهِنا ميزةً أساسيةً تطغى على نمطيةٍ النظمِ عند الشاعرة، فالقصيدةُ تتأسسُ على ثنائياتٍ ضديةٍ ومقابلاتٍ ومطابقاتٍ بين الألفاظ والصور.

وأخيراً نلاحظ أيضًا في الديوانِ الدراميةَ التي تسهمُ في الإفصاحِ عن خطابيةِ النصِ بما يُحولُ النصَ الشعري إلى بنيةٍ مفتوحةٍ على العالم تتحدثُ فيه شخصيةُ الشاعرة عن أحلامِها وأفكارِها، أو تتناغمُ في الخطابِ غير المباشرِ نحو تشكلاتِ البنيةِ العميقةِ للنصِ الشعري لتعميقِ الدلالةِ واستخدمت ألاء القطراوي في ديوانِها (ساقية تحاول الغناء)  العناصرَ الدراميةَ كظاهرةٍ فنيةٍ وجماليةٍ  تنسابُ مع شكلِ وبناءِ القصيدةِ وتتفاعلُ بين الغناءِ، والسردِ، والحوارِ، وهذا كلُّهُ منحَ القصيدةَ نوعا ًمن التشويق، والحيوية، والمتعة، والغموض، والإثارة.

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات