الجمعة 07 مايو 2021

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.25 3.27
    الدينــار الأردنــــي 4.6 4.62
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.9 3.95
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

" نعيم عبد مهلهل"

صانع الأسطورة الأهوارية...

  • 21:34 PM

  • 2021-04-20

نجاح إبراهيم*:

حالةٌ إبداعيةٌ ملوّنة بألوان الجنوب العراقي الرافل بالماءِ والقصبِ والفرادة والقداسة والقرابين والإبهار..

له من المؤلفات ما يزيد على سبعين مؤلفاً بين الرواية والقصة والشعر والمقالة الصحفية، فاز بالعديد من الجوائز آخرها جائزة الطيب صالح للرواية هذا العام.

من مغتربه الضبابي البعيد أدلى بحواره لنا.

الجنوب العراقي ، الأهوار ، عالمٌ مترفٌ بالماء والقصب والوجوه السمر، والقيمر، و.... كيف أوغلتَ هذا البَهاء في كتاباتك؟

 المعرفية المكانية للجغرافية تحتاجُ أولاً إلى ثقافة التأمل، وثقافة التأمل هي ثقافة روحية تتشابهُ في عناصرها مع الحسِّ البوذي والصوفي ، ولأنَّ الجنوب مكانٌ جغرافيٌّ فإنَّ خصائصه تمنح المثقف القدرة على قراءة هذا العالم سطحاً وباطناً ، ومتى أجدتِ القراءة تستطيعين أن تكوني الناطق الحسي والأدبي والأبوي لهذا المكان ، وهذا ما فعلته مع الجنوب، وأجمل أمكنته المسماة بالأهوار، التي عشتُ فيها معلماً في مدرسةٍ كان بناؤها من القصب . لكن في هذا البناء قرأتُ قصة الحضارة بكلّ أجزائها في شهرٍ واحد، وسمعت كل أغاني أم كلثوم من جهاز الراديو الذي أدخله المعلمون إلى القرية لأول مرّة حيث يعيش المعدان مربي الجواميس، ويقال إنهم الإرث المتبقي من العرق السومري . وهؤلاء وبيئتهم هم من وفروا لي محفزّات الكتابة عن المكان ، فأنجزت عنه خمسة عشر كتاباً، عدا روايات ست.

 نعيم عبد مهلهل ، كاتبٌ شاملٌ يسكنه أكثر من إبداع لهذا خرجتْ منه أنهرٌ ، في أيّ نهر فيك تدفع بقاربك أكثر؟

أعتقد أنَّ الرّواية تحملُ متعتها المطلقة بالنسبة لي حتى قبل الشعر .أشاهد الرواية تنتجُ أفلامها السينمائية في أعماقي ، فأحسُّ بمتعتها، وأظنُّ أنَّكِ في القصيدة قد تنشئين نافذة وحديقة، ولكن في الرّواية تبنينَ معبداً. بقية ما أكتبه هو مني أيضاً وصنيعة ما أشعر به. لكني أشعر بفخر أكثر عندما تلتصقُ بي صفة الروائي.

بعد هذا الكمِّ من الاصدارات أتخيلُ الكتابة لديك سهلة، تسيلُ كالماء من بين أصابعك، كيف تتمُّ العملية لديك ، وهل لك من طقوس لتقترب منها؟

الموهبة عند أهل سومر هي هبة الآلهة لم يقدّر لهم أن يكونوا صناع بوح وإشارة ونصٍّ . ومن تسكنه موهبة أتت من السماء البعيدة حتماً سيجد من السهولة أن يشعر بما يتمنى أن ينجزه أو يدوّنه في كلّ مذاهب الإبداع .أنا أشعر أن الموهبة عندي توازي المطلق في الحلم ، لهذا فأنا أكتب متى أريد؛ لسبب بسيط فقط هو أني أشعر أنَّ ذاتي ونفسي وروحي وقلمي معي أينما أكون وفي كلّ وقت.

المكان في رواياتك غالباً ما يكون بطلاً ،هل لأنه العمود الأساس في نصّك السردي إذ ترتكزُ معظم عناصر السرد عليه، أم لأنَّ المكان في ذاكرتك له مساحة واسعة؟

 لغاستون باشلار كلامٌ يقول : الأمكنة تهيئُ لكَ في كلِّ مرّة قطاراً للسفر .

ومع باشلار أقول إنَّ المكانَ هو الجامد المتحرّك في ذات الوقت ، وكلِّ المكونات الطبيعية؛ ومنها الإنسان ومشاعره تتحرّك في حدوده وجغرافيته وبيئته .

وحتماً للمكان خصوصيته ، ومتى انتميتِ إليه يمكنكِ أن تحملي تلك الخصوصية ، فمثلاً أنا أنتمي إلى المكان السومري ، لهذا أشعرُ أني أعيشُ تحولاته ومؤثراته به وفيه وعليه وعليَّ.

وبدون مكان لن تكون هناك ذاكرة صالحة للكتابة، فالإنسان لا يستشعر الفضاء إلاَّ عندما تطيرُ فيه حمامة انطلقت من سطح بيته.

ومع ذلك تختارُ المكان بوعي عميق على الرّغم من أنَّ المكان يكون حقيقياً ، لكن وصفك المبهر له يخال إلينا أنه خيالي!

عندما تنقلين المكان بمعامره ودكاتِ بيوته وشرفات الشبابيك وحوانيت الحارة كما هي فأنتِ لم تفعلي شيئاً، وحتى تجعلينه مكاناً حقيقياً عليكِ أن تديمي فيه الروح والأخيلة والديالكتيك.أي تدفعينه إلى المتخيل الأبعد، لتُشعري الآخر بجماليته ومؤثره وخصوصيته؛ المكان يستطيعُ أن يغيّر فيكِ النظرة إلى عالم بعيد .إنه الميثيولوجيا التي علينا أن نُلبسها كلَّ يوم ثوباً آخر ليتجدّد سحرها.

كتبتَ القصة القصيرة ، هل شاءت إحدى قصصك أن تتحوّل إلى رواية، فأبيت إلاَّ أن تحقق رغبتها؟ بمعنى أرادت أن تخلع خطابها القصصي لتلبس خطابها الروائي؟

لا أتذكر.. قصصي تذهبُ إلى عرينها الخاص بها، والرواية تذهبُ إلى ساحتها . ذلك لأنَّ اشتراطات القصة محكومة بحدثٍ له زمن وحدث ومساحة قد تذهب إلى بضعة آلاف من الكلمات، أما الرّواية فإنها سياحة للزّمان والمكان وتنقلات الفصول . لكن مرّات اعتزازاً بإحدى شخصياتي المؤثرة أضع اسمها لشخصية من شخصيات روايتي التي أكتبها، فأشعر أن زمن القصة يعيشُ معي حتى في الرّواية.

في معظم رواياتك ثمّة أناسٌ بسطاء يبحثون عن الحياة بلا تعقيدات ، هل كانت إحداها تخدم قضية سياسية؟

سياسياً أنا مع الإنسان الذي يكون غرامه الحقيقي هو المرأة والخبز؛ بهذه المساحة أشتغلُ وأطوّر أدوات السرد والرّؤى التي أمتلكها.هؤلاء البسطاء الذين أصنع منهم هاجسَ النّص وايحاءاته ومكوناته، هم ليسوا غذائي الإبداعي والكتابي فحسب، وإنما الواقع الذي نعيش فيه ونراه .

بعضهم ترهبه الحرب، والبعض الآخر يؤلمه العوز والمرض، والبعض يلوعه العشق، والبعض يعيش غربة اللجوء، حالات لا تحصى هي في المحصلة مادتك المهمة لصناعة الحلم ضد الظلم والتسلط والعصا البولسية، والظلّ الإرهابي المفخخ والتكفيري.

يقول روب جرييه : إنَّ الرّواية لا تعبر إنها تبحث ، وما تبحث عنه هو نفسها." هل هذا هدف الرواية أم لك رأي آخر؟

لا يحقُّ لي أن أختلف أو أكون معه ، فروب غرييه يعي كلامه جيداً .وربما لستُ بمستوى مناقشة عبارته، ولكني في الرواية أعودُ إلى هاجس الصوفي النفري الذي يقول: كل ما تبحث عنه عليك أن تتنفسه وتدوّنه.

 إلام تعزو تدفقك في الكتابة ، إلى الكم الهائل من الذكريات والأحداث التي حملتها إلى مغتربك ، أم يعود ذلك إلى حبّ كبير، أم إلى ألم أكبر؟

هناك أغنية سومرية قديمة لشاعرٍ مجهول وجدها عالم الآثار صموئيل كريمر تقول : يوم وُزّعت الأنصبة بين البشر، كان الألم والحلم والعَوز من حصتي.

في الجنوب العراقي يتناسلُ الفقراء أكثر من فسائل النخيل. والفقر بدون احساس بالألم يفقدُ طبيعته ويصبح جوعاً في بطون الثعالب، وأظنه هو مَن منحنا القدرة لنكون ونحلم و نكتب بهذه الحماسة ، والفقر أيضاً هو وحده من يستطيع أن يتخيل لذة الحب ويعبّر عنها بشكل ساحر . وأظن كلَّ تلك الممكنات صنعت في ما أنتجته وكتبته وسأكتبه.

ثمّة أدباء غيّروا أمكنتهم ، وعاشوا في أمكنة يستمدّون منها تفاصيلها كما فعل تشيخوف في قصته " الرّهان" حين سجن نفسه طوعاً ليجد عالماً مغايراً يحياه ، ويكتب عنه ، وغيره كثر ، هل خضت هذا النفي من أجل نصٍّ؟

نعم حدثَ هذا في مرحلتين ؛ حين غادرتُ أور إلى دمشق ، وبدت رؤى الكتابة تلامسُ هاجس المكان الدمشقي، وثانياً حين عشتُ لشهر في مخيم اللجوء الألماني .

ثلاثية أور ــ دمشق ــ كمب اللجوء هي من صنعت تفاصيلَ جديدة في نتاجي الأدبي بالرّغم من أنني منذ صباي كنتُ أكتبُ عن مدن أتمنى العيش فيها، باريس مثلاً ، لكن المغاير الحقيقي في تغير المكان شعرتُ به حين عشتُ بدمشق، ومن ثم إيوائي في كمب اللجوء، وحتى حين حصلتُ على الإقامة.. مشاعر الأمكنة الثلاثة هي الطاغية.

قرأتُ العديد من رواياتك وقصصك وشعرك، لم أقبض إلاَّ على جمال تتعقبه ، حتى القبح في بعض الشخصيات تقدّمه على أنه عنصر من عناصر الفن ، هل يعود ذلك إلى ما في داخلك ، أم لأنك توافق مقولة بودلير: بأن المزية المدهشة للفن هي أن الشيء المفزع المخيف يصبح جميلاً إذا عبر عنه تعبيراً فنياً؟

أظنُّ أنَّ رسالة المبدع هو تسويق الجمال ، الشاعر والرّوائي والرّسام والممثل المسرحي والمرئي والنحات وصانع الطائرات الورقية هؤلاء جميعاً مهمتهم واحدة . أن يمسكوا اللحظة أياً كانت مشاعرها ويحولونها إلى برتقالة تشمُّ وتؤكل .

عشتُ لأفتش في ذاتي عن وجوه متغيراتها لا تحصى؛ طيبة وأخرى قاسية ، حسودة، ومؤذية ، وبعضها انعزالي ومتردد ..في النهاية كلُّ هؤلاء أصل معهم إلى لحظة إنسانية لابدَّ فيها أن يتغير العالم نحو الأفضل.

لم تستطع الغربة أن تطوي وطنك العراق، كانت موقداً ومحفزاً للكتابة عنه، خاصة الجنوب الذي حملته حيث الناصرية، فكانت سومر ، أكد، الجبايش، الهور، كلها في سردك ، هل فكرتَ يوماً أن تتخلى عن هذه الفسيفساء في نصوصك؟

 ثمة أغنية داغستانية تقول : تستطيع أن تعوض ما تفقده من جسدك ، ولكن عندما تفقد وطنك من أين ستجد القبر الذي تدفنُ فيه.

هذه التراجيديا تختصرُ كلَّ الإجابات. ذلك لأنك لا تستطيع أن تهمس وتثبت للآخر أنك موجود بدون أن تشعره بأنك عراقي، أو مكسيكي، أو سوري، أو صعيدي من أهل مصر.

الوطن هو اللصيق الأبدي للرّوح والبدن .

أما مسألة التخلي إنْ حدثت فإني سأكون ناكراً للجميل الذي صنع موهبتي وكياني وجعل من أنهره حبراً لما كتبته.

خصائص المكان إن كان سومرياً، أو بابلياً، أو فرعونياً، أو أوغاريتياً، أو كنعانياً أو إغريقياً .هي من تصنع لصاحبها الصفة وبدونها يصبح كلُّ ما ينتجه مشوهاً.

هل تناولَ النقدُ كتاباتك كما ينبغي؟

لا مع الأسف. الآن مع العولمة وهذا الكمّ الهائل من الكتّاب وأشباههم ضاع الحابل بالنابل . لكنني والحمد لله أمتلك القناعة أنني لا أحتاج لواحد أطرق الباب عليه وأسلمه روايتي ليكتب عنها، فرواياتي موجودة في المكتبات.

غابريل غارسيا يكتب عن مدينة سامراء، التاريخ الأسطوري لأحمر الشفاه، الفياغرا وشهية الجلوس مع باولو كويلو، أوروك هايكو الغرام من فم جلجامش التي فزت بها بجائزة الطيب صالح...عناوين كتبك تتصف بطولها وغرابتها في التماوج بين أمكنة عراقية وأسماء غربية أو أسطورية ، ماسرُّ هذا ؟

العنوانُ نافذة أولى، وأظنُّ بسبب الموهبة الشعرية التي تسكنني تأتي عناويني مثل بيت الشعر. إنها أيضاً مصنوعة من لحظة قد لا تتقدم الرواية، وربما أكتبها بعد أن تنتهي الرّواية التي وضعتُ لها عنواناً افتراضياً قابل للتغير .

فزتَ بالكثير من الجوائز الأدبية ، ولعل آخرها جائزة الطيب صالح لهذا العام ، ماذا قدّمت لك الجوائز؟

الجوائز تشعركِ بأنك موجودة .وربما هي واحدة من المحفزات الموجهة إلى القارئ حتى ينتبه لك .والبعض يحتاجها لتنتشله من وضع ما ، والبعض يبحثُ فيها عن شهرة ، والكثير أيضاً يبحث عن عبارة جرب حظك ، ولكنّي أشعر أنها مغامرة لذيذة تستطيعين فيها أن تثبتي لنفسك والعالم أنك كاتبة جيدة.

في رواياتك آثارُ الحرب ، وشخصياتك تأثرت بها وحملت تبعياتها ، هل ارتقى أدب الحرب ليجسد آلامنا وانكساراتنا؟

أكتب قصة الحرب بمتعة، وأكتب رواية الحرب بمتعة أكثر، ليس إشادة بالحرب ، فهي تعيسة ومجنونة وقاتلة وقاسية ،ولكنكِ عندما يذهب المرء لثمان سنوات جندياً فيها وفي ذروة النضوج والمراهقة وأحلامه حتماً سيظل مثل رداء الكاهن يرتديه كلما حان وقت الطقوس. هذا مختصر للحرب عندما يعيش لحظاتها أهل الكتاب وأظن أنَّ أجمل الروايات والأساطير في التراث العالمي من كانت الحرب مادتها الحرب والسلام لتولستوي أنموذجاً ، وحرب طروادة كذلك.

 تناولت طوائف ومذاهب وقوميات في رواياتك ، وكنت محباً لها، تكتب بريشة بيضاء، هل هذا ما يمنحك الصفاء؟

العراق مثل سوريا بلد للتعدديات ، وكل هؤلاء صناع نسيج اجتماعي عاش فيه الجميع منذ أيام آدم وإبراهيم، والجميع فيه ركب ناقة صالح وصعد إلى سفينة نوح . لهذا فإن أردت أن تظهري وجودك، عليكِ أن تظهري بعض تلك الصلة مع المكونات وذكرياتها في حياتك حين تعيشين في مكان يكون جارك فيه يهودياً أو مندائياً، أو مسيحياً، أو شركسياً، أو كردياً.

هذه هي فسيفساء أمكنتها وتخليدها يحتاج إلى أن نجعل منها حلم المكان الواحد بكلِّ ثقافاته وأساطيره.

ماذا في جعبتك من حبٍّ، نصٍّ، ذكرى..؟

أنا أكتب كلَّ يوم ، وكل كتابة عندي هي نتاج حلم أو ذكرى . أنجز كلَّ شهر رواية ومعها كتابٌ شعريٌّ، أو مجموعة قصصية ، ولدي أعمدة يومية في الصحف. كما أكتب في النقد وبيئة الأهوار وكلِّ هذا النتاج سيصل إلى مائة كتاب، وعليك يا عزيزتي أن تضربي الخشب.

 *جريدة الأسبوع الأدبي:.

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات