الاثنين 08 مارس 2021

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.25 3.27
    الدينــار الأردنــــي 4.6 4.62
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.9 3.95
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

قراءة نقدية.لنص شاهدة رخامية، للكاتبة،فوزية أوزدمير

  • 23:08 PM

  • 2020-12-12

أ. فتحي حمزاوي:

حين أجازف بتحليل نص من نصوص الشاعرة فوزية أوزدمير أحسّ نفسي أنّني أُعَبّرُ (أفسّر) رؤيا طاشت أجزاؤها فبقي بعضها واختفى البعض الآخر، وأقول بيني وبين نفسي إنّ الشاعرة تعلمني كيف أتصرّف حين أجدني بين مساحتين: العقل والجنون، وبين وضعين: أموت أو لا أموت، وبين حالين: الوعي واللاوعي. وأيضا بين الداخل والخارج.

إنّ ارتياد العالم النفسي أو الذهني عبر بناء لغوي حصّن أسواره بأعتى ألوان البيان أقوى متاريس الرمزية، لا يمكن فكّه ولو تقمّصنا أدوار العالم النفسي الخبير واستعملنا أنجع أدواته. ولا يمكن القبض بإشاراته ولو تقمّصنا أدوار معبّريّ الأحلام.

فالقصيدة العنيدة الماثلة أمامي نثار من “الأحلام” و” الاستطرادات” و” الومضات” و”الاسترجاعات” و” الاعترافات”. مراوحة بين اليقظة والنوم، بين الماضي والحاضر، بين الداخل والخارج.

صعوبة النص متأتية من وضعية “التّداعي” التلقائي عندما تترك الشاعرة العنان للشرود في حركة ارتدادية من الخارج إلى الداخل، فيتحوّل ذلك الداخل إلى مدينة ذات شوارع ملتوية ومغاور مليئة بالأخطار وتضاريس قد لا توجد لها نظائر في الجغرافيا التي نعرفها، كأنني في مملكة النمل أراه يشقى وراء رزقه تعبا شديدا ويدخل سراديبه ثمّ لا أفهم ماذا يجري هناك في دهاليزه، كذلك الشاعرة تخطف ما أمكن من أشياء العالم الخارجي وتجذبه وتسحبه نحو الداخل الشخصي وتحاول أن تتكتّم عليه إلا ما جادت به اللغة.

فها هي تسير ” تسير بين شرايينها” ألسنا في عالم الداخل؟ وها هي ” تغلق جفنيها بشدة” و” تستسيغ النشوة” وتسترخي في تتابع لازمني تستعرض ما اختطفته من العالم الخارجي، ألسنا في حلم؟ ترى نفسها ” كمّا من الأكاذيب” أليس ذلك دلالة على عودة الوعي ورجوعا إلى اليقظة؟

هذا التداخل الشديد بين كل هذه المختلفات، تدخل في إطار عملية تأمّل شاملة تجسيدا للمسؤولية الوجودية التي لا يهبّ للقيام بها إلا القريبون من حالة الوعي الكلي والعميق برهانات البقاء أسبابا ونتائج.

دون تفاصيل تقدّم الشاعرة واجهات هذا التأمل وذاك الاسترجاع، ومن أهم تلك التفاصيل:

– مرّة ساعدها جار لها في فتح الباب

– عادت سكرانة يوم زفافها

– الجمرة المنطفئة المشتعلة ليلا

– رأت أمها في الحلم

إنّ هكذا تفاصيل هي إحالات قد تكون لها مرجعية واقعية وقد تكون محمولة على الرمز، لكنها في جميع الحالات هي بانية لكيان النص ومعبّرة عن كيان النفس التي تقف وراء هذا البناء، ووراء الذهن الواقف وراء تشكيله. لا يعنيني كثيرا أن أضع أمام كل رمز دلالته فلست عرّافا ولا رئيّا، ولكني أسعى أن أوضّح للقارئ بعض سمات العالم الباطني للشخصية الشاعرة التي اختارت اللغة الشعرية أداة لتصويره.

أهمّ سمة لهذا العالم المخفي هو حالة الاكتئاب الخلّاقة الواقفة حتى وراء عملية الإبداع، أليس الإبداع نتاجا لإرهاصات ومكبوتات قصوى آتية من زمن الطفولة؟، إنّ أوّل تجليات هذا الاكتئاب/الإحساس بالجمود، يتجلى في مفتتح القصيدة: ” الرخام” وما يقترن به من معنى البرد، إنه برد الوجود القارس. ثم تتتالى التجليات في المفردة والمعجم والعبارة والجملة: ( غريبة، شديدة الازدحام، تهيم، القلق، ظلال في القلب، حبة مرارة، سيدفنني…)، إننا في عمق التراجيديا المنطلقة من تفاصيل الذات في الواقع الخارجي والمنتهية إلى العمق الداخلي بحثا عن المعنى المختفي في ” الثقب الأسود” من الوجود.

التأمل في مسارات العمر ورحلة البحث عن الذات: ” تبحث عني لتترك لي قطرات حلوة” “صبري يفك لغز وجودي” “يا إلهي إنه أنا”، وينتهي كل شيئ إلى أكاذيب، كل ما نفعله وننجزه نبتغي به تأثيث الوجود يصبح ” أكاذيب”، والحقيقة تظل مخبوءة في الثقب الأسود.

ما زال في النص ما يُقال. ولكني أخشى قتل القصيدة إن عاندتها بالتحليل، وأذكّر لست معبّرا ولا رئيا، إنما هو شيئ من استقراء أقرّب به ما بعد من النص وهو كثير،

هكذا هي الشاعرة فوزية أزدمير

تيه وتأمل واستبطان وفلسفة

أسعدني أن أجابه غموضها بأدواتي المتواضعة

احترامي لها سيّدة تعرف تحصين نصوصها بلغة لا يتقنها سواها

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات