الاثنين 30 نوفمبر 2020

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.32 3.37
    الدينــار الأردنــــي 4.82 4.84
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.91 4.08
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

أسئلة الكتابة

  • 23:01 PM

  • 2020-10-28

محمد نصار* :

يبدو عنوانا ملفتا، له من الدلالة والإيحاء ما يحتمل الكثير من التأويل والتفسير والتأمل، فالكتابة بشتى صنوفها تعتمد في تكوينها وحمل أفكارها على السؤال، السؤال الذي كان ومازال محورا مهما في فهم العلاقات والظواهر التي تستوقفنا كثيرا أمام تعقيداتها وأسرارها، في رحلة البحث أو السعي التي نخوضها في دروب الحياة.

فإن كان الأمر كذلك في الأعم، فالكتابة الأدبية أخص وأولى، باعتبارها واحدة من الفنون التي تحتاج إلى الكثير من التأمل والتدبر والأسئلة، إذ لم تعد مجرد حكاية يسردها من ملك موهبة القص واللغة وإنما هي تكنيكات تعتمد في بنائها على الكثير من الأسئلة والفلسفة والتجارب الحياتية والمعرفية، التي تؤهل الكاتب للخوض في هذا المضمار وصولا إلى الغاية التي يريد.

كان هذا العنوان محور لقاء نظمته وزارة الثقافة الفلسطينية، من خلال تقنية زوم، عن القصة القصيرة في ذكرى الشهيد ماجد أبو شرار والتي حملت اسمه أيضا، حيث كنت أحد المشاركين في هذا المحور من خلال ورقة تحدثت فيها عن تاريخ السؤال وأهميته، إلا أن الوقت لم يسعف جميع من تحدثوا، رغم أهمية الموضوع وهو ما بدا واضحا في التعليقات التي تواترت من أسماء وازنة نكن لها كل الود والتقدير، أخص منها صديقي العزيز أ. رزق المزعنن، الذي أشار علي أن أعيد نشر الكلمة مكتوبة وإيفائها ما تستحق من العرض والتحليل، لما لها من قيمة وأهمية، فأخذت برأيه وفعلت.

لماذا الأسئلة ؟

السؤال له من القيمة والأهمية ما جعله واحدا من ركائز هذه الحياة إن لم يكن أهمها، فلقد وجد السؤال قبل أن يوجد الخلق أو بمعنى أدق، قبل أن يخلق آدم أبو البشر، حين جاء أول مرة على لسان الملائكة، في قصة الخلق،" قال إني جاعل في الأرض خليفة"، " قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، ثم جاء مرة أخرى مباشرة من رب العزة موجها إلى آدم وزوجه " ألم أنهكما عن تلكما الشجرة "، ثم جاء ثالثة على لسان آدم الذي نزل مكرها إلى عالمه الجديد، حائرا.. تائها.. متسائلا عما ينجيه مما هو فيه من هوان وشقاء، حيث فهمنا تلك الحالة التي كان عليها وطبيعة الأسئلة التي تواترت في داخله من سياق رد رب العزة " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه"

ثم توارثت الأجيال الأسئلة من بعده، كل جيل يحمل أسئلته ويجوب بها بحثا عن إجابات توائم شروط عصره ووقائعه وما فيه من أسرار وخفايا يستعصي فهمها أو فك رموزها، فكانت الأساطير والملاحم القديمة، الأوديسا..الإلياذة.. الإنياذة، جلجامش وغيرها نتاجا لتلك الأسئلة، التي خلدتها وجعلتها حاضرة في الوجدان الجمعي حتى يومنا هذا، كذلك كان من نتاج تلك الأسئلة ابتداع الآلهة التي تعددت وتنوعت حسب وقائع وملابسات تلك الحقب ..إله الحرب والحب والشمس والجمال وغيرها، كمحاولة يراد منها فهم الواقع والظواهر المستعصية والإجابة على أسئلة شغلت حيزا كبيرا من تفكيرهم ووجدانهم، ثم تلا ذلك علوم الفلسفة والمنطق وعلم النفس وغيرها، من المعارف والعلوم التي أسست لحضارة نعيشها اليوم بكل تجلياتها، والتي هي في الأساس نتاج أسئلة شغلت الإنسانية في كل حين.

الأسئلة والأديان

لو نظرنا إلى الرسالات السماوية لوجدنا السؤال حاضرا فيها بثقل واضح، ثقل يراد منه إذكاء التأمل والتدبر في النفس البشرية وإعمال العقل في كل الظواهر التي تمكنها من فهم لغز الحياة وتؤهلها للتعايش معه على الشاكلة التي تريحها وتدفعها إلى الإيمان بقناعة وإدراك لا يشوبه لبس وليس مجرد تقليد متوارث أو وفق أهواء تشط عن المرجو منها والمراد، على عكس ما يزعمه أصحاب الأهواء والأجندات، ممن يحاولون تغييب العقل وتجريم أو تحريم الأسئلة، من خلال نصوص مجتزأة ومبتورة، خدمة لغايات تتوافق وغاياتهم المشبوهة.

فلو نظرنا إلى القرآن الكريم مثلا والذي هو آخر الكتب السماوية، لوجدنا السؤال حاضرا في الكثير من آياته، طبعا لم يرد السؤال عبثا- حاشا لله- وإنما كان المقصود منه إعمال العقل والتأمل والتدبر " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت... ألم تر كيف فعل ربك بعاد.. ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.. ألم أنهكما عن تلكما الشجرة" والكثير من الأمثلة والأسئلة التي لا يتسع المجال لحصرها.

الأسئلة والكتابة

لم تكن الأسئلة بعيدة عن الكتابة أيضا أو عن الفن بشكل أعم، بل هي من صميم تكوينها، فإذا كان السؤال قد شغل عامة الناس، فالفنان والمبدع أولى بأن يكون مسكونا بالسؤال وهو الذي يفتش دوما عن عوالم أفضل تسكن وجدانه المشحون بالقلق والأسئلة والسعي نحو التغيير ما أمكنه إلى ذلك سبيلا، فلو نظرنا إلى بعض الأعمال التي خلدها التاريخ لوجدنا السؤال حاضرا فيها ومركزيا، مثال على ذلك رواية دستوفسكي "الجريمة والعقاب"، فالسؤال المركزي الذي طرحه الكاتب وأشغل علماء النفس والباحثين من بعده هو " لماذا حين يقتل أحدهم يحاكم على أنه مجرم لا بد من عقابه وحين يقتل القادة والملوك الملايين في الحروب، ينظر إليهم كأبطال يتم تكريمهم" وذالك من خلال سرده لقصة الشاب " الطالب " الذي نزل في بيت امرأة أثناء دراسته ومن ثم عمد لقتلها.

كذلك كان الحال في رواية تولستوي "الحرب والسلام" ونفس الشيء في رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس" حيث السؤال المركزي الذي مازال يتردد صداه إلى الآن وربما قادم الأيام " لماذا لم تدقوا جدار الخزان؟"، سؤال شغل النقاد والباحثين في الإجابة عليه والبحث في دلالاته ومازالوا.

نفس الشيء حصل مع الراحل المبدع محمود درويش الذي جعل السؤال عنوانا رئيسيا لأحد دواوينه الأكثر شهرة ورواجا" لماذا تركت الحصان وحيدا؟، سؤال شغل الكثير من النقاد والباحثين في فهم مغزى السؤال و من المقصود به.

أعمال أدبية كثيرة لا يتسع المجال لحصرها، كان السؤال محورها المركزي ومحركها الأساسي، فالكتابة من دون أسئلة أشبه ما تكون "بالدايت " جافة.. ماسخة .. بلا مذاق، لا روح فيها ولا معنى ولكوني أدرك هذه النقطة في الكتابة وأعرف ما لها من أهمية، وأؤمن تماما بأن كل كاتب لابد من وجود ناقد يسكنه، يثير الأسئلة والتساؤلات ولأني دائم الأرق والانشغال بالأسئلة، تجد السؤال دائم الحضور في وجداني ومعبرا عما يعتمل فيه بشكل واضح ولعل آخر أعمالي الروائية والتي ستصدر قريبا، عن مكتبة سمير منصور، تحمل نفس العنوان الذي نتحدث عنه، " ليل وأسئلة" ، ليل يشبه حالنا الذي نعيش بكل ما فيه من مرار وسوداوية وأسئلة تؤرقنا جميعا، في هذه البقعة من الأرض، التي كانت ومازالت مسكونة بالأسئلة، أسئلة تبدو إجاباتها مستحيلة في هذا الواقع المأزوم.

* روائي وكاتب فلسطيني:

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات