الاحد 27 سبتمبر 2020

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.32 3.37
    الدينــار الأردنــــي 4.82 4.84
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.91 4.08
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

الفنان فايز الحسني :

لوحات بـ "الأسلوب الرمزي" تستفزّ تفسيرات المشاهدين

بطريقته الخاصة يعرض للعالَم التراث الحضاري الفلسطيني الممتد عبر آلاف السنين

  • 02:35 AM

  • 2020-08-12

غزة - " ريال ميديا ":

حزينة تبدو وهي تفرد ذراعيها كطائر يبحث عن حريةٍ مقيدة تحت سياج يلتف حولها كأفعى تحكم قبضتها عليها، سقط منها عود "الناي" الذي كانت تنشد به الحرية والأمل.. ولكل شيء سرق منها، لكن طائر "الحسون" الذي يقف على "الناي" ظل يغرد نيابة عنها، ينادي على النساء الأسيرات مثلها تحت الحصار، على تلك القباب الشامخة منذ النكبة، ينادي على كل "حلم عودة"، يرجع من الماضي الأليم إلى الحاضر المرير، متطلعا لمستقبل مشرق، يرنو الصوت نحو القدس في أعلى تلك اللوحة، وكأن الطائر يقول لها بلغته إن هناك لقاءً حتميًا بين كل هذه المكونات، جسد بها الفنان فايز الحسني بريشته "الرمزية" تفاصيل القضية  الفلسطينية، في مرأة حزينة مقيدة اليدين في اللوحة، ترتدي ثوبا تراثيا، وشالا تتمسك بنفسها. آثار هذه اللوحة لم تجف بعد، ترى جزءًا من بقايا الألوان تركت بقعًا صغيرة على الحائط، أسفل منها علب وريش ألوان متراصة بجوار بعضها، وكأن الفنان كان يخوض معتركًا فنيًّا سابقًا فيه الوقت، حتى خرجت اللوحة التي انتهى منها حديثًا بهذا الجمال. "الطبع الغلاب" وحب الرسم الذي "يجري في عروق الحسني" جعله يصطحب مرسمه إلى قلب مكتبه،  يضع أمام ناظريه لوحة كبيرة بيضاء، لتنسج أنامله عليها رسومات بأسلوب فريد خاص به تتجسد  الفضية الفلسطينية بشخصية المرأة الفلسطينية التي ترتدي ملابس تراثية بشكل ثابت وقباب وبيوت تراثية وعود الناي وطائر الحسون، كلما استهوته فكرة يضع تلك الشخصيات في رسومات تختلف في رسائلها.
نمط خاص
يعرفنا الحسني أكثر على هذا النوع من الفن، قائلا لصحيفة "فلسطين": إن" طبيعة الناس تعتمد على الأعمال الواقعية والشيء البسيط، لكن بما أنني درست الفن ودرسته، امتلكت اسلوبا مميزا، ونمطا خاصا في استخدام الألوان والعمل". والحسني هو خريج كلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة، سبق الفن موهبة صاحبته منذ الصغر، بعد تخرجه عمل في الجزائر لمدة ١١ عامًا مدرّسًا للرسم، وعاد إلى فلسطين وعمل مدرسا للفنون الجميلة بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، والآن يعمل مديرا عامًا لمؤسسة "رواسي" للثقافة. أقام الحسني ثمانية معارض خلال مسيرته الفنية، كان معرضه الأول "أطفال الحجارة" في الجزائر، ولهذا وقع خاص في قلبه، "كنت خارج فلسطين لكن المشاعر والأحاسيس كانت مرتبطة بقضيتي، وتضمنت الأعمال في المعرض توثيق الانتهاكات وجرائم الاحتلال بحق الشبان والأطفال الفلسطينيين، وتوثيق مظاهر البطولة" .. لا ينسى معرضه الأول. كلمات التعبير عن ارتباطه بقضيته حاضرة في حديثه: "لدي عهد بيني وبين نفسي أن اعمل لفلسطين بكل جوارحي (...) أجسد رمز المرأة الفلسطينية بمثابة القضية ككينونة شاملة تضم كامل فلسطين وتراثها عبر آلاف السنين، من خلالها أتناول مواضيعَ متنوعة، آخذ المرأة كشكل، وكل ما بالتراث من قباب، وبيوت وأثواب، ومقدسات". بما أن الحسني يقطن في مخيم الشاطئ للاجئين، فإن ذلك  أعطاه تأثيرا إضافيا في تفاعله الفني مع قصص رواها له والداه، عن التهجير وأحداث النكبة الفلسطينية، كذلك تناول ما حصل في مجازر "صبرا وشاتيلا"، وبمخيمات اللاجئين في لبنان.
مدرسة خاصة

تمتاز أعمال الحسني باستخدام الأسلوب "الرمزي"، وعن ذاك يقول: "هي مدرسة خاصة أستخدمها من خلال تفاعلي مع سطح اللوحة البيضاء، أحيانا لا يكون لدي أي فكرة، مباشرة أتفاعل مع المساحة الفارغة وأبدأ العمل حتى بلا قلم رصاص، فتتولد لدي أفكار متعددة". لماذا تضع المرسم هنا؟ .. يجبره السؤال على فرد ابتسامة عريضة على وجنتيه، مجيبا بلهجة عامية: "بقدرش ما اشتغلش بوقت الفراغ، لازم أرسم .. بتجيك لحظات فراغ، و أحب ان تكون أمامي مساحة بيضاء فارغة". لم تنته الإجابة يشير نحو المرسم  أمامه: "بدون ما أكون قاصد فجأة تأتي فكرة وأبدأ التنفيذ". ركز الحسني في مجموع لوحاته الأخيرة والمكونة من 12 لوحة على استخدام المرأة وعود "الناي" وطائر الحسون، في أكثر من عمل تجسد أفكارا مختلفة. يشير نحو اللوحة التي انتهى من رسمها مؤخرا للمرأة المقيدة بالسياج، معلقا: "هذه اللوحة توضح أن فلسطين محاصرة ليست فقط من فيروس "كورونا"، بل من الاحتلال الذي يقيد المرأة، وطائر الحسون لا زال متشبثا بالأمل أن هناك حرية، وهذا جزء من معاناة الشعب الفلسطيني (...)  القدس والقباب لا تخلو من أعمالي لأنها رموز لتراثنا الممتد عبر آلاف السنين من عهد الكنعانيين حتى يومنا هذا، والذي يحاول الاحتلال طمس المعالم لكننا كفنانين نوصل بطريقتنا حضارتنا الممتدة عبر آلاف السنين". الرسومات تأخذ في جمالها بعض الزخارف التراثية، فضلا عن المرأة بثوبها المطرز، "حياتنا لا تخلو من هذه الرموز التراثية التي أتناولها بمعظم أعمالي"، يقول الحسني. على يمينه يعلق  لوحة موقعة باسمه عام 1988 لمرأة ترتدي الثوب الفلسطيني تحتضن طفلها، تشد الرسمة انتباهه متبعا كلامه: "تعبر عن التهجير القسري، والصبار حولها يعبر عن تمسك الشعب بأرضه، وتناقل هذا الموروث (...) لا أستخدم الأسلوب التجريدي المطلق غير واضح المعالم، بل التجريد التعبيري فتكون الرسومات مقبولة وطنيا". الشخص الذي يجلس أمامك يبدو متحدثا فطنا، فكلماته تخرج موزونة كما هو حالها هنا: "نحن نملك قضية، ومن خلالها يجب أن نقدم للعالم هذه القضية بأسلوبنا الخاص، نتناول أشياء مجردة بالرسم كالقباب، والثوب، لكن لها معانيها، أدخل بها الشكل الأدمي بطريقة معينة لإيصال الفكرة".

لوحات جميلة

يقلب الحسني هاتفه المحمول، عارضا صورة لمرأة ترتدي ثوبا تراثيا ترفع عود الناي بيديها نحو الأعلى وكأنها تغني للحرية بينما هي كذلك يجلس طائر الحسون فوق العود، وطائران آخران يرفرفان جناحيهما لأول مرة، من شالها يخرج أناس، أطفال، ورجال، ونساء، يرتدون أثوابًا تراثية، يدخلون القباب القديمة متجهين نحو القدس، عنونها  باسم "العودة". نفس المرأة تجلس وهي تنحني بعود الناي نحو الأسفل تغني لحبات البرتقال وخيرات البلاد، وطائر الحسون يقف متأملا، تجسد ملامحها الحنين، من خلفها يكسر حصان أبيض "الجدار الهش" الذي جسده الحسني بجدار زجاجي داخل اللوحة، معبرا عن أن القوة هي الشيء الوحيد الذي يسترد الحقوق". كم تستغرق وقتًا في رسم اللوحة؟ .. يضحك قبل أن يجيب: "لا اجلس جلسة واحدة .. ربما اقل من شهر".

موهبة منذ الصغر ..
هذه الموهبة ليست وليدة اللحظة، وليست من خلال الدراسة والتعلم فقط، بل هي ولدت مع الحسني الذي اكتشف نفسه من الصغر، يأخذه الحديث لتلك الذكريات: "اكتشفت نفسي منذ الابتدائية، كانت تعجبني رسومات الكتب وكنت أطبعها على الورقة، ثم صرت أنقلها، وأرسم الشخصيات، حتى أنني رسمت شقيقي الشهيد". يستحضر ذكرى أخرى: "أذكر مدرس العلوم حينما جاء وسأل الطلاب: "مين بعرف يرسم؟"، فأشاروا إليّ، وكنت أرسم له على اللوح ويقوم بالشرح، واستمرت الموهبة، في موقف آخر في الإعدادية رسمت لأخي الذي كان يدرس بالثانوية لوحة فأعجب بها أستاذ الرسم، فدعاني وأهداني علبة ألوان بعدما عرف أنني من رسمت اللوحة، وكانت أجمل هدية في ذلك الوقت". يلتفت إلى الجوائز المعلقة حوله، قائلا: "لم أتطلع في حياتي إلى الشهادات والجوائز، لأني أعمل لوطني وأن أوصل رسالة القضية بأسلوبي للعالم، فيجب أن يرى العالم بالفن التراث الحضاري الفلسطيني الممتد عبر آلاف السنين (...) قد ترى الأسلوب واحدًا لكن نمط العمل يختلف". يقلب في هاتفه المحمول  على صور لوحاته، يعرض صورة لمرأة تنظر لزوجها يرتديان ثوبا تراثيا، وصورة أخرى لمرأة تغني لطائر الحسون، تحتضنها بنتها من جانبها الأيمن وطفلها من الخلف، ومرأة تحمل فخارا، وأخرى من الصعب فهمها قبل أن يوضح هو فكرته منها لكثرة تداخلات القباب فيها. أكثر من ٥٠ عاما أمضاها الحسني بين الرسومات، أكل الرسم من عمره حتى طرق ال٦٨ عاما، ولا زال يستمد حيوية الشباب في الرسم على تلك المساحات البيضاء الفارغة من حبه للقضية لتخرج أنامله رسومات إبداعية تستفز تفسيرات المتابعين وتطلق خيالهم للبحث عن رسالته الفنية المقصود من العمل.

يحيى اليعقوبي - فلسطين :

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات