الاحد 09 اعسطس 2020

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.41 3.48
    الدينــار الأردنــــي 4.95 4.97
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.83 4
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

ارجموا مريم .. مونودراما تجسيد العنف الذكوري تجاه المرأة

  • 00:52 AM

  • 2020-07-30

ناهـض زقـوت:

جاء من أقوال المبدعين والنقاد والمؤرخين "أن المسرح في أوربا يبنى إلى جانب الكنيسة" فثمة علاقة بين غذاء الروح وسمو النفس البشرية. المسرح هو العلاقة المباشرة مع الجمهور، دون حواجز، بخلاف السينما، لذلك التفاعل مع المسرح أقوى جماهيريا من التفاعل مع السينما.
لم تكن المجتمعات العربية بعيدة عن فكرة المسرح، وإن استطاعت في البدايات أن تقلد ثم تجاوزت إلى التأليف المسرحي والعروض الجادة، وقد هيمن عليها التعبير عن الانتكاسات التي تعرض لها المجتمع العربي بسبب الازمات التي تعرضت لها والتي أسهمت في تفكيك بنيته المجتمعية، الأمر الذي أدى إلى تعزيز شعور الإنسان العربي بالعزلة والاغتراب عن المجتمع. لذا حاول أن يخلق لنفسه قوة وهمية من العادات والتقاليد الماضية التي تجاوزها مجتمع المدينة، لكنه أعاد ترسيخها بشكل عنيف تجاه المرأة، بهدف سلبها حقوقها التي سلبت منه بفعل قوة السلطة الحاكمة.
تأتي مسرحية "ارجموا مريم" انطلاقا من مسألة العنف القائم على المرأة المتعدد الرؤى والاهداف، يمارسه المجتمع الذكوري. لهذا لم يقيد المخرج بطلة العرض المسرحي "ارجموا مريم" في بداية افتتاح المسرحية، بل قيدها المجتمع بما يحمله من تقاليد وعادات بالية. جسدت الفنانة المسرحية الصاعدة "لينا العاوور" دور البطولة في المونودراما التي كتب نصها الكاتب ومخرج العرض مصطفى النبيه، ولم تكن تلك تجربته الأولى فهو ذو باع طويل في المسرح، بل أحد مؤسسي المسرح في قطاع غزة، حينما أسس مع آخرين (كنت واحدا منهم) فرقة الجنوب المسرحية في أوائل التسعينات إلى جانب آخرين وفرق أخرى جمعتهم جمعية الشبان المسيحية. ومن المسرح انطلق نحو الاخراج التلفزيوني والسينمائي، فأخرج العديد من الأعمال التلفزيونية والروائية نال أكثرها جوائز في مهرجانات عربية، وهذا إلى جانب كتاباته الروائية والقصصية.
تعبر مسرحية "ارجموا مريم" عن مكنونات مصطفى النبيه ومشاعره تجاه المرأة العربية عامة والفلسطينية خاصة، واحساسه بالظلم المجتمعي الواقع عليها نتيجة الافكار الراسخة والمتوارثة عبر الاجيال، من حرمان المرأة من الميراث، أو عدم تزويجها خوفا من ضياع الميراث، أو قتل المرأة لشبه الشرف، أو منع الفتاة من استكمال دراستها خوفا من الذئاب البشرية، أو اخضاع المرأة للرجل وممارسة العنف ضدها. تلك هي القضايا التي حاول أن يطرحها المخرج مصطفى النبيه في عمله المونودرامي الذي جسدت بطولته الفنانة الصاعدة نحو مجد المسرح "لينا العاوور"، التي استطاعت بكل براعة وأداء متميز أن توصل الرسالة إلى الجمهور.
لقد تمكنت بطلة العرض أن تفهم عقلية المخرج، وتحركت على مدار أكثر من ساعة في مكان أعد للعرض المسرحي، وهو ليس بمسرح، ولكنه تحول إلى مسرح جعل جمهور الحضور في صمت وانبهار طوال العرض، الكل يتابع تحركات البطلة بما تمتلكه من خفة ورشاقة، وقدرة على التعبير بلغة الجسد، وإيحاءاتها وصرخاتها المؤلمة والمعبرة عن مكنون الشخصية، فقد اعتمدت السلوك الدرامي في الأداء أكثر من الاعتماد على جماليات الملفوظ اللغوي أو التعبير الجمالي، الأمر الذي بدا واضحاً في عرض البطلة إلا أن ذلك لم يمنع من توافر العرض على لمحات جمالية على مستوى الأداء الفردي التعبيري. فثمة عشر شخصيات جسدتها البطلة، وكل شخصية تحكي قصتها مع المجتمع أو مع عائلتها، فكان ليس من السهولة الانتقال من شخصية إلى أخرى إلا لمن يمتلك قدرة التعبير الجمالي من جهة، وقدرته على اختزال الحركة من أجل إثارة انتباه المتلقي والسيطرة عليه، وقد امتلكت بطلة العرض سلوكاً أدائياً متميزاً في التعبير عن فكرة العنف ضد المرأة، ففي لحظة كانت تؤدي دور الفتاة، ونفس اللحظة تنتقل الى دور الأب أو الأخ للفتاة، دون أن يشعر الجمهور بأن ثمة خلل في الأداء أو باحترافية البطلة في القدرة على الانتقال من شخصية إلى أخرى، وتلك قمة الابداع أن يقوم بطل واحد بأداء عشر شخصيات متباينة دون أن يشعر المتفرج بالملل، أو شعوره بأن خيوط النص بدأت تفلت من البطلة. ويعود هذا إلى امتلاك المخرج التجربة في العمل الفني والمسرحي، وقدرته على توجيه البطلة بالمران والتدريب، والتزامها بتعليماته الفنية والمسرحية.
وفي غمرة الانبهار بجمالية العرض وأداء بطلته، لا ننسى المكونات الاساسية أو العناصر المساعدة لإنجاح العرض، وهو الديكور الذي صممه الفنان اسماعيل دحلان جاء الديكور معبرا عن مضمون المسرحية وهدفها، فهناك الكرسي الذي يرمز للسلطة أيا كانت السلطة، وهناك البناطيل الطويلة المعلقة على الحائط، أو المشابك كأنها هياكل لا دماء لديها، وهناك الملابس النسائية البيضاء المبقعة بالدم والتي ترمز للكفن، وهناك السجن المعنوي والمادي الذي يعتقل المرأة ويقيد حريتها، وهناك صليب المرأة التي يقيدها بالعادات والتقاليد. كان ثمة شخصيات ذكورية موجودة بلباسها ولكنها غائبة بشخوصها، تلك الشخوص كانت سيف المجتمع تجاه المرأة، تخرج في لحظة من خلال البطلة لتبث سمومها تجاه إحدى النساء، ويكون مصيرها الكفن المعلق في زاوية المسرح، هذا الكفن يتسربل بالدماء التي أريقت من رقاب النساء، لأنهن حاولن أن يعبرن عن ذاتهن أو يمارسن حقهن في الحياة والحب، أو يرسمن مستقبلهن بعيدا عن قيود المجتمع. وقد تمكنت بطلة العرض من استخدام الديكور بشكل مبهر بما يتوافق مع سياق النص وعرض المسرحية.
وفي زاوية من غرفة المسرح ثمة موسيقى انجزها الفنان جبر الحاج، كانت تتحرك مع أداء بطلة العرض، وأحيانا تتدخل لتقدم فكرة مساندة للنص والأداء، لذا جاءت الموسيقى متوافقة تماما مع العرض المسرحي، ودعمت جمالية العرض.
مسرحية أو مونودراما "ارجموا مريم" واقعية بكل ما تحمله الكلمة، واستطاع المخرج من خلال العرض توصيل رسالتها الاجتماعية، "كيف لرؤوس مثقوبة مخترقة أن تحمي وطنا وقضيتها محصورة في جسد أنثى"، وتمكن بتجربته الفنية التي يختزلها في ذاكرته من جمع الخيوط الدرامية للنص المسرحي، وتوظيف العوامل المساعدة للنص من ديكور وموسيقى، والاشتغال على بطلة العرض بالمران والتدريب، كل هذا جعل العرض في غاية الابداع والاتقان.

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات