الاثنين 13 يوليو 2020

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.41 3.48
    الدينــار الأردنــــي 4.95 4.97
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.83 4
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

العالم بين «ذرتين نوويتين»

  • 02:01 AM

  • 2020-04-02

حافظ البرغوثي:
فيروس كورونا لا يختلف عن الذرة النووية في بعض الأوجه، فهما لا يشاهدان بالعين المجردة، وهما مصدر دمار شامل للبشرية. الأول، أي الذرة، قام الإنسان بتفجيرها، لينتج عن ذلك تفجير هائل وقاتل أكثر من أي سلاح آخر، أما «كورونا» فهو فيروس طفيلي ليس حياً، بل جماد ذو شريط من الحمض النووي، مكسو بالبروتين، ولا يتكاثر إلا إذا دخل خلية حية بروتينية، وتكاثره يدمر الخلايا، فهو هنا يتكاثر نوويا مثل التفجير النووي.
والإنسان أمام جمادين بربريين أحدهما طوّره هو، وهو سلاح الذرة النووية، والآخر يطور نفسه إذا دخل خلية حية، ويقف الإنسان عاجزاً عن كبحهما.
تصور أن مصانع العالم قادرة على إنتاج مليون سيارة، ومئة طائرة، وألف دبابة يومياً، لكنها عاجزة عن توفير أجهزة تنفس اصطناعي للمرضى.. تخيل أن مصانع العالم التي تصنع ملايين الأمتار من الأقمشة والمنسوجات يومياً، عاجزة عن توفير الكمامات، وملابس الأطباء، والممرضين الخفيفة.
تصور أن العالم الذي بنى أضخم المباني نسي توزيع الأسرّة في المستشفيات وفقاً للنسبة المحتملة للإصابات من الكوارث، بينما استعد لكل احتمالات الحروب، ونقل العتاد، وتصنيع السلاح، والملابس العسكرية، والخوذات الذكية.
تخيل أن مصانع العالم تنتج يومياً مليارات الليترات من المشروبات المنوعة، والعصائر، ولا تستطيع توفير سوائل المعقمات.. تخيل أن الدول الكبرى تصنع صواريخ بسرعة تفوق سرعة الصوت خمس عشرة مرة، وتصيب أهدافها على بعد خمسة آلاف ميل، ولا تستطيع القضاء على طفيلي دخل جسم الإنسان بعمق عشرين سنتمتراً.. وتصور أنك كإنسان تحت المجهر، ومراقب في بيتك، وحاسوبك، وهاتفك النقال، ولا يستطيع من يراقبوك كشف فيروس غير حي يتجول عبر الحدود من جسم إلى آخر.
الخلل هنا أن التوجه العلمي التكنولوجي كان موجهاً من الإنسان ضد الإنسان، وليس ضد أعداء البشرية.
ولهذا، تمكن طفيلي جماد لا حياة فيه، من أن يرعب البشر، ويختطف الحياة اليومية، ويجبر أكثر من نصف سكان العالم على البقاء في منازلهم، وينقي المناخ والجو من التلوث البيئي، رغم أنف دونالد ترامب، ويعيد تجميع الأسرة في البيت ليتعارف أفرادها مجدداً، بعد أن اعتادوا على قضاء الوقت في المقاهي، والتسوق، والشكوى من إرهاق العمل. فالعالم أسير جمادين: الذرة والفيروس.
وهنا تتدخل الحكومات متأخرة لمواجهة الكارثة بصبّ المال كما صبّته قبل 12 سنة في الأزمة المالية العالمية، وبالطبع أغلبه مال ورقي بلا رصيد، لكنه متعارف عليه دولياً في لعبة الاقتصاد، وبعثه من الرماد. فالسياسيون الآن يعالجون الأزمة الاقتصادية بالوسائل نفسها التي واجهوا بها أزمة الرهن العقاري سنة 2008.
لكن الأزمة السابقة تختلف عن الحالية، لأن تلك من صنع بشري، واختلالات اقتصادية، ومالية، ومضاربات، واحتيالات مدبرة، لكن العجلة الاقتصادية الإنتاجية لم تتوقف. لكننا في الأزمة الحالية، فإن ما يقوم به السياسيون هو إسعاف أولي للحياة الاستهلاكية، أو تنفس اصطناعي للاقتصاد والأسواق المالية، وهو مؤقت، لأن الفيروس المستجد تسبب بأزمة أوسع، حيث توقف الإنتاج الصناعي، والتجاري، والزراعي، وهذا يهدد بكارثة لأن علاج الفيروس المستجد غير محدد بوقت في غياب إيجاد لقاح يفتك به. فحُزم الدعم والتحفيز التي أقرت سواء في قمة العشرين، أو على مستوى أوروبا، وأمريكا، تبقى مرهونة بتوقيت انتهاء الأزمة الفيروسية خلال وقت قصير الأجل، أي مجرد تخدير موضعي.
فقد تحرّكت البنوك المركزية بالتزامن مع التراجعات الحادة التي ضربت الأسواق المالية العالمية، وأقرّ البرلمان الألماني خطة إنقاذ مالي يبلغ حجمها 1.1 تريليون يورو (1.2 تريليون دولار)، لمساعدة القطاعات المختلفة المتأثرة، كما أقرت كل دولة حزمة مناسبة لها. والكونجرس الأمريكي أقرّ خطة ضخمة لمجابهة التداعيات يبلغ حجمها تريليوني دولار.
أمّا الفيدرالي الأمريكي، فمستمر في شراء السندات والأوراق المالية. فمثلاً خلال الفترة بين 19 و25 مارس/ آذار 2020 اشترى سندات خزانة بما يعادل 587 مليار دولار، واشترى أوراقاً مالية مدعومة برهون عقارية بما يعادل 375 مليار دولار، وهذه المشتريات تعادل 2.7 في المئة من نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.
وحسب تصريحات رسمية، فإن الفيدرالي سيستمر في برنامج التيسير النقدي، وشراء السندات لدعم الاقتصاد، وتوفير الائتمان، والسيولة للنظام المالي. وتشير التوقعات إلى أنّ الميزانية العمومية للفيدرالي سوف تزيد ب6 تريليونات دولار.
وتظل هذه الوسائل المكررة مؤقتة، ولا تكفي في ظل استمرار انتشار الوباء. لأن الفيروس مستمر في الانتشار، ولا يوجد له علاج فعال في الأفق القريب، إلا بالوقاية المشددة، وهي وقاية تلزم الناس أن يتوقفوا عن العمل، والإنتاج.
وقد عرفنا في التاريخ أنه بعد كل وباء تحدث مجاعات، لأن كثيراً من الناس يفقدون أرواحهم، ويهجر العمال والمزارعون أماكن عملهم، فيقل الإنتاج وتسود المجاعة، ويصير المال أقل جذباً، حتى الذهب يفقد بريقه أمام رغيف خبز.
فهل ينتصر الإنسان على الفيروس الجماد، ويعيد إحياء الأرض باقتصاد رحيم بالبيئة، والفقراء، ويركز على سلامة البشر، وصحتهم، وليس على أرصدتهم؟.

الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها وليس بالضرورة أنها تعبر عن الموقف الرسمي لـ "ريال ميديا"

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات