الخميس 27 فبراير 2020

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.42 3.45
    الدينــار الأردنــــي 4.82 4.88
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.71 3.75
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

أكثر من مجرد شهادة شعرية

  • 21:59 PM

  • 2020-01-24

جبر شعث:

من الرصيف كانت رحلتي السيزيفية . لم أكن أحمل فوق ظهري صخرة كصخرته العقوبة ، بل حملت كومة من الأحلام والأمنيات والهواجس وما كنت أحتملها فسرعان ما كنت أتدحرج بها من فرط رومنسيتها وطوباويتها . ذلك الرصيف الذي كان يقف عليه رجل نصف مجنون يبيع كتباً مهربة من الداخل الفلسطيني كانت في معظمها صادرة عن دار الأسوار بعكا لغسان كنفاني وإميل حبيبي وجبرا وعلي محمود طه وسالم جبران وعلي الخليلي وسميح القاسم ودرويش وغيرهم.وكتباً أخرى مجتلبة من مصر ليوسف ادريس ونجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور واحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل والبياتي والسياب والجواهري وبلند الحيدري وغيرهم . كنت أشتري هذه الكتب واحدا واحدا وأقرأ الكتاب الواحد أكثر من مرة .أسرني في تلك الفترة كنفاني والسياب وجبرا وإدريس وأمل دنقل . وفي ذات الفترة تعرفت على مجلة الفجر الأدبي التي كان يصدرها الشاعر الراحل علي الخليلي وكانت تهتم بالشأن الأدبي الفلسطيني شعراً وقصة ومسرحاً ومقاربات نقدية ودراسات فلسطينية . أما الانقلاب الأول الذي جعلني أجتاز مرحلة الحلم والخربشة إلى مرحلة الفعل الإبداعي والرؤيا الشعرية فقد كان بعد قراءاتي العميقة المتأنية المتكررة لأبي العلاء والمتنبي و نيتشة في هكذا تكلم زرادشت ... صرت بعد هؤلاءواثقاً راسخاً متجرءاً على النشر في الصحف الفلسطينية كالشعب والميثاق والفجر وفي مجلة الهلال المصرية . بعد خروجي من غزة للالتحاق بإحدى الجامعات الجزائرية حدث الانقلاب الثاني في توجهي ورؤياي الشعرية وكان المنفذون هذه المرة أشد سطوة وقسوة : ديكارت شوبنهورهيجل ماركس هيدجر كامو سارتر كافكا إميل سيوران تولستوي تشيخوف غرامشي باشلاربورخيس كفافيس ريتسوس رامبو بودلير، نتاج الصوفيين العرب سوريالية اندريه بريتون وأراغون الماغوط أدونيس سعدي يوسف سليم بركات سركون بولس مالك حداد كاتب ياسين وغيرهم .وغني عن الإشارة الى القراءات التأسيسية ؛ الشعر والنثر العربي في جميع عصورهما الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، القرآن الكريم ، غلغامش ، الف ليلة وليلة مغامرات سندباد ، المسرح اليوناني بمآسيه وملاهيه ... التهمت وهضمت كل أولئك وغيرهم وأعلنت عن نفسي بكل ثقة ورسوخ : الشاعر والناقد المتذوق جبر شعث .لاأعرف ان كانت هذه المقدمة الذاتية ضرورية في هذه الشهادة الشعرية ولكني أثبتها بناءً على رغبة من طلبها مني . قال عني أحد الشعراء الفلسطينيين في تقديمه لمجموعتي الأولى ألف باء ؛ بأنني مموسق الروح ، وقال شاعر ومترجم آخر حين أهديته المجموعة ؛ غنائية مفرطة واكتفى ، وثالث قال ؛ كتابة في العمق وتأمل وتقص وفلسفة مقطرة . صدق الأول والأخير وسقط الثاني في حكمه الارتجالي المبني على تصور مسبق ، حين اعتبر الغنائية سبة ونقيصة وتتأتى فقط من الموسيقى بشكليها الداخلي والخارجي . فكون النص موزوناً لا يعني بالضرورة غنائيته ، وكم من نصوص تنتمي إلى قصيدة النثر تميزت بغنائيتها الهادئة ( المناصرة ، سر من رآك لأمجد ناصر ، والرسولة بشعرها الطويل لأنسي الحاج ) .
نعم كتبت قصيدة التفعيلة وما زلت أكتبها ، بل انني كتبت على سبعة عشر بحراً بما فيهم الدوبيت الفارسي : مستفعلتن مستفعلن مفتعلن . فلست من دعاة القطيعة مع أشكال الكتابة المختلفة ، فكل مقترح كتابي له جمالياته التي لا يحددها الشكل ففي رأيي أن الرؤيا الشعرية المشحون بها النص هي التي ترفعه إلى مرتبة القيمة الشعرية العليا في المقام الأول ، وعلى هذا فالشكل الكتابي سواء كان قصيدة كلاسيكية أو تفعيلة أو نثر أو نصاً مفتوحاً لن تكتب له الحياة طويلاً إن لم يكن متشرباً جرعة فكرية أو فلسفية وان لم ينتشر في مساحات التأمل الشاسعة .. فالتهويمات اللغوية والإغراب الصوري والمجانية في الكتابة لا يمكن لهم أن يرفعوا الكلام إلى مرتبة قصيدة . ومن هنا دعوت وما زلت وسأبقى أدعو إلى التجاور والتحاور والاشتباك بين المقترحات الكتابية الشعرية كافة.
لم يكن ركوني إلى كتابة قصيدة النثر في مجموعاتي الثلاث التي تلت" ألف باء" من باب اقتناعي بأن قصيدة التفعيلة قد استنفدت إمكاناتها التعبيرية كافة ، وإنما من باب أن تلك القصيدة لم تعد تقوى على حمل أسئلة الوجود المتناسلة وتفاصيله الفسيفسائية التي لا تنتهي ، وعلى محاولة التصدي لمقولات الفلسفة الكبرى كالوجود، جدواه وعبثيته والموت والإنسان الذي مازال يحمل صخرته ويتدحرج معها من علٍ . ولترسخ قناعةٌ لدي خلاصتها ؛ أن قصيدة النثر هي تطور طبيعي في مسيرة الشعر العربية ،في سياق التطور الحضاري الإنساني، وهذا لايعني اعترافي بوجود جذور لها في تراثنا العربي كما يزعم بعض المتزيدين . وأيضاً من التحريض البودليري الذي له مفعول السحر ، ومن ضربات سركون بولس التي لها مفعول الوجع اللذيذ ، ومن تفاصيل ريتسوس التي تغريك بالاقامة بين ثناياها والتواءاتها ، والتي معها لا يمكن لك المغادرة إلا وأنت خاسر .وقبل كل ذلك لأنني ارتضيت أن أكون ثورياً في الثورة العنيفة التي أشعلها توفيق صايغ في " ثلاثون قصيدة ، وفي المعلقة . لقد ظل سؤال التناقض "قصيدة ونثر " هو الثغرة الرخوة التي تسلل منها معارضو هذه القصيدة ، توهماً منهم أن الذي يعطي الشرعية الجمالية للقصيدة حتى تستأهل وصفها بالقصيدة هو مجرد الوزن ، فالوزن في تصورهم هو عمود الشعر أما اللغة والصور والرؤيا الشعرية فهي من النوافل التي لا تضمن للشاعر وحدها دخول فردوس الشعر . والرد على أولئك المتزمتين المتوهمين مدخله تشكيك الفيلسوف العربي ابن رشد في بعض الأقاويل التي لا تستخدم من أدوات الشعر إلا الوزن،وتبرم فيلسوف آخر هو الفارابي من سذاجة الإيقاع في القصيدة العربية وانفقاد الصلة بين موسيقاها والمعنى . إذاً ؛ من أين تكتسب قصيدة النثر شعريتها ؟ ويجب قبل محاولة الإجابة أن نتصدى للشعرية " كمصطلح نقدي " الذي له دلالة مزدوجة تحدث لبساً وخلطاً لدى البعض ا لذي لا يفرق بين الشعرية كصفة للنص ، وبين الشعرية كمنهج في الكتابة. وما يعنينا هنا هو صفة الشعرية التي تقودنا إلى عنصر الجمال الذي يشع به النص والذي يحدث أثراً لدى المتلقي ؛ (مصدر الشعرية : عنصر الجمال في النص +الأثر التفاعلي الذي يتركه في المتلقي كمنتج ثان للنص ).وقد عبر النقد العربي القديم عن الشعرية وهي مصطلح حداثي بقوله : " مأتى الحسن في الكلام وبدلالة الشعر على صفة الكلام " . والجمال يأتي من الحفر عميقاً في مفردات الحياة البسيطة المختلفة ( من نثر الحياة ) وفي القصيدة ؛ من تشبيك علاقات من نوع خاص بين ملفوظات النص التي تُحمل الأسئلة الوجودية الشائكة ، ومن شسوع المساحة التي تتيحها للمتلقي لأن يتأمل ، ويشغل إمكاناته العقلية والجدلية والتخييلية ، ومن ذلك الفضاء البصري الذي تتفرد به قصيدة النثر دون غيرها .وهنا نتبنى باطمئنان رأي الدكتور صلاح فضل الذي يبين إستراتيجية شعرية قصيدة النثر ، حيث يقول : " تركز قصيدة النثر على تعطيل المعامل الأساسي في التعبير الشعري وهو الأوزان العروضية دون أن تشل بقية إمكانات التعبير في أبنيتها التخييلية والرمزية ومن ثم فان وضعها مع الأعراف بين التعبير والتجريد يصبح ترجمة دقيقة لاستراتيجيتها الشعرية " . إن قصيدة النثر بوصفها أبرز تجليات الحداثة أكدت ومازالت تؤكد ؛ عبر كتابها الراسخين الواعين نسبها الأعظم للشعر (عن سليم بركات بتصرف ) وهي وسيلة للارتفاع بالشعر من درجة الصفر ، كما عبر سعدي يوسف . وهي المؤهلة أكثر من غيرها في تجذير المفهوم والرؤيا الفلسفية للكون في علاقته بالتعبير الجمالي. لا نستطيع هنا والمقام ضيق أن نتوسع في كشف مكامن شعرية قصيدة النثر ، كما أن هذه الكلمة التي هي أكثر من مجرد شهادة شعرية ؛ لاتحتمل ذلك .

غزة شباط 2014

 

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

آراء ومقالات

منوعات