الاربعاء 19 يونيو 2019

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.61 3.64
    الدينــار الأردنــــي 5.09 5.15
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 4.03 4.07
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.2

المقاومة مشروع متكامل

  • 02:49 AM

  • 2019-03-23

د. سامي محمد الأخرس:

في البداية لابد من تعريف مفهوم " المقاومة" ومن ثم السؤال المركب على التعريف كيف تقاوم؟ وما هي الأدوات التي تقاوم من خلالها؟ في البداية إن التعريف الأصيل للمقاومة أو مفهوم المقاومة مطروح منذ زمن بعيد على منصة ومقلصة البحث، وتحديد المعنى الواضح والأساس للمقاومة، نظرًا للاختلافات الجوهرية في هذا المفهوم، وفق نوع وسبيل المقاومة وأهدافها، ولهدف الأساس الذي انبثقت من خلاله، فهي متعددة المشارة، مختلفة الأنواع والغايات والأهداف والمرامي، لذلك فتحديد المعنى الجوهري وفق معايير الموضوعية مقترن بالإجابة على العديد من التساؤلات التي من خلال الإجابة عليها يتم البناء على صياغة المفهومالمراد تعريفة أساسًا، وهذه التساؤلات تحدد وفق التالي:
أولًا: لماذا تقاوم؟ ثانيًا: تقاوم للتحرر من الاستعمار العسكري أم السياسي أم الثقافي أم الاقتصادي؟ ثالثًا: تقاوم للتحرر من الديكتاتورية وسلطة الدكتاتور؟ رابعًا: تقاوم من أجل العدالة وسيادة القانون، والانعتاق من الاستعباد والظلم؟ خاسًا: تقاوم من أجل مجتمع وشعب أم من أجل طائفة أو حزب ومصالح ضيقة؟
رغم تلك التساؤلات إلا أن هناك العديد من التفرعات الأخرى، هل تقاوم منن أجل المعتقد الديني؟ هل تقاوم من أجل التحرر من السلطة الأبوية؟ هل تقاوم من أجل التحرر من التخلف المجتمعي والثقافي؟ ... إلخ. ورغم التشعب في ذهنية المصطلح إلا إننا يمكن اسقاط المصطلح على حالتنا الفلسطينية خاصة، رغم أن اقتران مقاومتنا مقترن بأبعاد إقليمية وخاصة في منطقتنا العربية والإسلامية التي تقاوم منذ عقود طويلة، وكذلك الواقع الشرطي بالفضاء الأوسع "الدولي" نظير اقتران حالتنا بالمشروع الدولي عبر كيانه الاستعماري الصهيوني، ومع تطور الحالة أصبح لدينا ارتباط آخر " محلي" مقترن بالأيديولوجيا الداخلية التي تشهد تنوعًا في تحليل فهم ومعنى المقاومة، وتبني العديد من النماذج التي تم البناء عليها في تحديد الفهم للمنظور الخاص للمقاومة، فالفهم العلماني للمقاومة ذو مفهوم ورؤية تختلف عن الفهم اليساري، وكذلك يختلف الأثنان عن الفهم الإسلامي، وفي كل متجه من هذه المتجهات تجدد العديد من التناقضات الفرعية المختلفة عن تعريف المقاومة، ولنا في اليسار على سبيل المثال مثالًا في فهمه للمقاومة حيث تجد متناقضات فرعية مختلفة للفهم المقاوم، أو الفعل المقاوم، كما في الأيديولوجيا الإسلامية المتناقضة فيما بينها فهمًا وممارسة لمقهوم المقاومة، وهذه التناقضات الداخلية تدور حول تفسير وتحديد فهم المقاومة ما بين السلطة (الحكم) أي السيادة والجمع بين المقاومة والسلطة وهو النموذج السائد حاليًا في فهم التناقضات في الجمع بين الأداة والشعار( العصا والجزرة).
في المراحل السابقة كانت حالتنا الفلسطينية محددة المعالم عبر مشروع المقاومة، والفهم الاصطلاحي للمقاومة من خلال مؤسسات المقاومة أو آليات المقاومة الممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي جمعت كل المتناقضات حول مصطلح التحرير وبناء المجتمع المقاوم، حيث حددت معالم هذا المشروع عبر رؤية ومنهجية استراتيجية مؤسساتية متنوعة الركائز العسكرية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية والعلمية، الفنية، وأسست كمؤسسة مقاومة شعار بناء وتعزيز مجتمع المقاومة عبر مؤسسات أخرى مثل الصندوق القومي الذي كان يشرف على مؤسسات عوائل الشهداء، مؤسسات الجرحى، مؤسسات الأيتام، مؤسسات القطاعات الصحية والخيرية، ومؤسسة الأسرى، ومؤسسات الشباب، ومؤسسات النساء والطفولة، تستهدف مشروع مقاوم شامل يعزز أدوات المقاومة، وبنباء مجتمع المقاومة، وتعدد الجبهات، وكانت هذه المؤسسات فاعلة في دورها الرئيسي عبر جسد المقاومة المجتمعي دون تمييز بين مكونات المجتمع الفلسطيني. كما كان ضمن تكتيك هذا المشروع تعزيز لغة الحوار حول التناقضات الفرعية التي تباينت وفق الفهم السياسي لمفهوم المرحلية والتحرير، ولكنها لم تختلف حول مفهوم وأدوات المقاومة وأشكالها التي تتمحور حول(التحرير).
إذن هنا يمكن لنا تحديد مفهوم المقاومة في بنائها الواسع، ومرتكزاتها الأساسية والجوهرية دون حصرها في بندقية مقاتل أو أتجاه محدد تنحصر من خلالها عملية المقاومة وتعريفها حول البسطار العسكري، ونستند في ذلك في تأكيد نقل التجربة الفلسطينية لمشروع المقاومة لما تمارسه المقاومة اللبنانية اليوم كمشروع مقاوم متكامل، يستهدف تصليب المجتمع المقاوم أولًا.
وعودة لحالتنا الفلسطينية، ونقول ماذا اختلف؟ ربما في الاستعراض السابق حددنا الإجابة عن مفهوم (المقاومة) كمشروع عام في إطار عام، ولكن الاختلاف في الفهم جاء من خلال المتغيرات التي شهدتها الساحة الفلسطينية، ولا شك أن اتفاق أوسلو لعب دورًا رئيسيًا وجوهريًا في إذابة جزء كبير من مفهوم مشروع المقاومة، حيث بدأت مؤسسات السلطة(الحكم) كبديل لمؤسسات المقاومة، وتحولت من أدوات تعزيز لأدوات تشغيل وتوظيف مما أثر جوهريًا في الوعي العام للمواطن وللأجيال التي بدأت ترى في مقدرات بلدها وخيراته حقوق أاسية لابد من الحصول عليها، خلافًا لوعي التعزيز الذي كان سائدًا في السابق، والذي كان المواطن يناضل دون النظر للحصول على مقابل، أو ماذا سيتقاضى، بما أنه كان جوهر مشروع المقاومة، وينال التعزيز التلقائي من منظومة مشروع المقاومة وبنائه الأساسي، وهو الاختلاف الجوهري بين مشروعين متناقضين كليًا مشروع المقاومة ومشروع السلطة والحكم، فكل مشروع له استحقاقاته ومفاهيمه المتناقضة عن الآخر، ففرق جوهري بين أن تؤسس أذرع مقاومة وتحرير، وأذرع تدافع بها عن سلطتك وقوتك وحكمك، فشتان بين المشروعين والفهمين، فقد تطور الوعي للأجيال وبدأت ترى أن هناك فرق بين الواجبات والحقوق، ففي المشروع المقاوم الأول المواطن كان دوره أن يقدم واجباته الوطنية، ويعتبر كل شيء ضمن حدود الواجبات الوطنية في معركنه الأساسية (التحرير) بينا في المشروع القائم اليوم فهو يرى أن ما هو قائم مشروع لحماية سلطة أو حكم وعليه أن يحصل على حقوقه كما يقدم واجباته التي أيضًا اختلفت مع اختلاف الوعي. هذا الاختلاف ليس وليد صدفة بل هو وليد تطور سيادة السلطة والحكم، وفرضته حالة طبيعية لمفهوم من يمارس الحكم ويجمع الضرائب من قبل الخدمات ويقرر القوانين ويمتلك مؤسسات سلطة وحكم عليه أن يقدم للمواطن حقوقه الطبيعية، فدافع الضرائب لا يدفع ضرائبه خاوه لمجموعة معينة تطلق على نفسها مقاومة مهمتها الدفاع فقط عن حكمها وسيادتها الحزبية السلطوية، كما ساهم في تعزيز الفصائلية والحزبية حالة التفرد للحزب المتنفذ بقوة أجهزته الأمنية والشرطية، فالشعار المطروح مال الحزب للحزب لا يسري على المال العام الذي يجبى من الشعب.
إذن فما الاختلاف في المشروعين هو صعود التنافس على الحكم وبلورة سلطة حاكمة متنفذة تمتلك أدوات أمنية وشرطية ووزارات ومؤسسات، تحدد حرية المواطن ضمن قوانين وأنظمة يعاقب المواطن إن تجاوزها بالسجن والعقاب أو القمع من قبل الأجهزة الشرطية حتى في مطالباته الحياتية، فهل المشروع المقاوم يمكن أن يجمع النقيضين؟ وهل المشروع المقاوم يعزز صمود فئة معينة عن الأخرى؟ وهل المشروع المقاوم يمارس القمع ضد من يطالب بحقوقه الحياتية؟
إذن فالمشروع المقاوم اليوم هو مشروع حزبي يقوم على بناء قوى حزبية عسكرية مهمتها الدفاع عن حزبها أولًا، والبقاء في حالة دفاع مع عدوها ثانيًا. وهذا ما تم ممارسته في يالمشهد الفلسطيني منذ عام 1994 مرورًا بعام 2007 الذي امتلأت به شوارع فلسطين بأذرع عسكرية تدافع عن حزبها ومكتسباتها السلطوية فقط، والبقاء على حالة الإشتباك عن بعد مع عدوها وفق مفهوم الدفاع وليس الهجوم. 
إذن بغض النظر عن أوجه الاختلاف أو الاتفاق حول مفهوم ومصطلح المقاومة إلا أن النموذج الحالي لا يتفق مع المنظور المجتمعي للمقاومة أو لمشروع المقاومة، فالأحزاب أصبح لها مؤسساتها الصحية والاقتصادية والثقافية والإعلامية الخاصة بها والتي تعتبر ملكًا لها وليس ملكًا للمجتمع، وعليه فهي لم تصبح ضمن المفهوم الواسع لمشروع المقاومة، بل ضمن الفهم الضيق لمفهوم الدفاع عن مشروعها، وعليه فالحركات والأحزاب التي تمتلك الحكم والسلطة لا يمكن لها الجمع بين المشروعين أو الحديث بين المتناقضين وتحاول أن تقنع المجتمع بالتنازل عن حقوقه في إطار الرفاهية الحزبية والإمتيازات الشخصية لعناصر وقادة الحزب من المال العام الذي يجمع من خيرات ومقدرات الشعب أو من التبرعات التي تقدم باسم الشعب. ولكن عليها الوفاء والإيفاء بإلتزامتها كحزب حاكم وسلطة يمتلك أجهزة ووزارات ومؤسسات حاكمة وأنظمة تخضع المواطن لسلطتها وتحت سطوتها. فالمواطن لا يمكن أن يلتزم بشعار المقاومة والوفاء بواجباته المالية والقانونية والتنازل عن حقوقه المالية والحياتية والقانونية.
إذن فالجدلية هنا تدور حول مفهوم عام لمتطلبات المجتمع والمواطن، ومسؤولية الإلتزام التي لابد وأن تتحمل مسؤوليتها الجهة التي تسيطر على مقاليد ومؤسسات الحكم. وما نخلص إليه أن المشروع المقاوم هو مشروع متكامل متناغم مع متطلبات المجتمع لا يمكن حصره في الفهم الضيق المحدود أو فهم العسكرة والبندقية، ولا يمكن لأي مشروع مقاوم أن يحقق أهدافه العريضة دون تعزيز صمود المجتمع والمواطن.
وعليه فحرّاك الشباب (بدنا نعيش) الأخير هو رسالة عميقة من المجتمع الشبابي لكل قيادات وأحزاب النظام السياسي الفلسطيني أن أجهزتها الشرطية والأمنية ومؤسساتها السيادية التي خرجت لقمع المواطن هي تمول وتعزز وتتقاضى رواتبها من ضرائب المواطن نفسه الذي يريد حقوقه بحياة كريمة ومستقبل كريم.

الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها وليس بالضرورة أنها تعبر عن الموقف الرسمي لموقع " ريال ميديا "

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

آراء ومقالات

منوعات