الاحد, 19 مايو 2019, 21:34 مساءً
قراءة في رواية "غزة 87" للكاتب يسري الغول.
11/05/2019 [ 02:01 ]
تاريخ الإضافة:
قراءة في رواية "غزة 87" للكاتب يسري الغول.

قراءة الروائي محمود حبوش:

ستهلّ الكاتب الفلسطيني يسري الغول باكورة أعماله الروائية "غزة 87" بمشهد جنسي لا إسفاف فيه بين عامل فلسطيني وربة عمل إسرائيلية، ليؤسّس به جدلية مركزية في الرواية تعتمد على أنسنة العلاقة بين المحتل/المقموع والقائم بالاحتلال/المعتدي: يغادر الشاب الغزي سرير امرأة إسرائيلية وهو يقاوم العبرات، تنقده بعض المال، فينبلج في الذهن تلقائياً أن ما جرى هو نوع من الاغتصاب.

يظهر الكاتب، الذي نشأ في مجتمع فلسطيني محافظ ولا يزال يعيش في كنفه، التجليات المعقدة للعلاقة الجنسية في هذا السياق الخاص من نوعه، فاستغلال المرأة الإسرائيلية لجسد العامل يأتي كنوع من الكناية عن احتلال الأرض (أو ربما كنوع من الاحتلال المزدوج للأرض والجسد). وفي المقابل، يشعر العامل بنوع من نشوة الانتصار بغزو المحتل في عقر داره عبر هذه العلاقة الحميمة (وهو أيضاً نوع من الانتصار المزدوج الذي يُحَقّق أولاً بفعل المقاومة وثانياً بالاستيلاء الجنسي، وإن كان مجبراً عليه).

ويستكشف يسري الغول -- وهو قاص بارع صدرت له عدة مجموعات قصصية أبرزها "الموتى يبعثون في غزة" و "خمسون ليلة وليلى" -- الصراع الأخلاقي من الوجهتين الدينية والوطنية الذي تولّده هذه العلاقة. ولا ينسى أن يضيف بعداً درامياً ذا عواقب أخلاقية من نوع آخر بالنسبة للفلسطينيين؛ ولنترك هنا هذا القبس من الرواية يعبر عن نفسه بنفسه (وهو جزء من حوار بين إسرائيلية وفلسطيني أنجبا طفلاً من غير وجود علاقة شرعية أو قانونية بينهما):

" - ألا تريدني أن آتي بأخٍ جديد لابننا باروخ؟ 
أستحلب ريقي كأني لا أفهمها، كأني لا أريد أن أفهمها أو أستسلم لهلوسات الصباح، وحين أهم بالخروج تقول ساخرة: 
- سأدفع به ليكون جندياً في جيش الدفاع، ليحمي إسرائيل من بحرها إلى نهرها."

فالنتيجة البيولوجية لهذه العلاقة هي ولادة طفل قد يرفع السلاح يوماً في وجه أبيه أو أخيه، في فعلٍ إجرامي مزدوج، وإن كان متخيلاً. ولنوجز المسألة، ينجح الكاتب في توظيف العلاقة الجنسية للتعبير عن تعقيد العلاقة بين طرفي الصراع، ويخلق منها نوعاً من الخطيئة الأصلية عندما يقوم جيلان متتاليان بنفس الفعل.

اتخذ الروائي أسلوب المذكرات أو البوح الذاتي كأداة سردية وُفّق في اختيارها، فكأنه وقع على مذكرات لأناس فلسطينيين وإسرائيليين ربطتهم المصادفات بشكل أو بآخر، ثم وضعها بين دفتي كتاب. ثُمّ بعث الحياة في هذه البناء السردي بلغة سلسلة متينة يتخللها قدر وفير من الشاعرية والعنفوان. ومع تصفح كل ورقة من الرواية، تظهر براعة الكاتب التعبيرية سواء كان ذلك في اعترافات الأبطال أو المواقف الصعبة التي مروا بها في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، أي الانتفاضة الأولى التي اندلعت في الثلث الأخير من ثمانينات القرن الماضي. شدتني الرواية بأحداثها الأساسية، بتفاصيلها الصغيرة، بعباراتها القوية، بتصويرها للحالات النفسية المختلفة التي تمر بها شخصياتها.

شخوص الرواية من الجانب الفلسطيني هم من العمال الذين يقطنون أحد مخيمات اللاجئين في غزة، وفيهم نرى الفقر الذي تخالطه روح ثورية ترغب في تحقيق الحلم الفلسطيني بالاستقلال. ويتقمص الروائي بتمكّن جلي عقلية عدة شخصيات إسرائيلية -- ربة عمل، مجندة من أصول أثيوبية، طبيب، إلخ -- ويُفلح في التعبير عن كثير من مختلجاتهم، طارقاً الجوانب الإنسانية والميول العنصرية معاً -- العنصرية الموجهة ضد الفلسطينيين وضد الإسرائيليين أنفسهم ممن ينحدرون من أصول متفرقة؛ أوروبية، عربية، إفريقية، إلخ.

وفي ظني، ثمة العديد من التفسيرات السياسية للرواية، لكني أحسب أن الكاتب جنح إلى الاعتقاد بأنه طالما كانت طبيعة العلاقة هي بين شعب؛ محتل وآخر قائم بالاحتلال، فسيكون من الصعب عليهم الالتقاء (حل الدولتين؟). لكني لا أدري إن كان جال في خاطره أن الأمر سيختلف إن تغيرت طبيعة العلاقة (وأن تكون النتيجة بذلك دولة واحدة يتساوى فيها الجميع في الحقوق؟)

يُحسب ليسري الغول تحديه للكثير من التابوهات الاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، لاسيما الغزي منه، في هذا العمل النوعي والجريء. وليس من اليسير على الكاتب التطرق لمثل هذه القضايا وهو يعيش بين ظهراني المجتمع الذي يلكزه بأدبه الملتزم بمعايير الفن، فالأدب القيّم هو الذي ينبش عن الدفائن أكثر مما يبني ويطرح أسئلة أكثر مما يجيب. كما لا يجب الاستخفاف أبداً بالمواضيع التي طرحتها الرواية؛ فهي وإن كانت متعلقة بمرحلة تاريخية سالفة، فإن التساؤل عن طبيعة العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي لا يجب أن يتوقف، بل لا يمكن أن يتوقف.

 

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
إستطلاع ريال ميديا
تلبية الفصائل لدعوة موسكو يساهم في فتح الابواب المغلقة فلسطينياً وخطوة على طريق إنجاز المصالحة؟
نعم
لا
ربما
لا أعرف
انتهت فترة التصويت