الاحد, 16 ديسمبر 2018, 18:37 مساءً
في كهف الزعفران...للكاتبة /فوزية آوزدمير...دراسة مقدمة من الأستاذ فتحى حمزاوي:
06/12/2018 [ 09:01 ]
تاريخ الإضافة:
في كهف الزعفران...للكاتبة /فوزية آوزدمير...دراسة مقدمة من الأستاذ فتحى حمزاوي:
دراسة مقدمة من الأستاذ فتحى حمزاوي....
 في كهف الزعفران...للكاتبة /فوزية آوزدمير...
 
في كهف الزعفران
قناني البخور المعتقة
تغري روحك ..
حين يستلقي الصمت على الأريكة
بألوانٍ من الحبّ
صلاة .. وسرب وصايا
وفي عينيك يورق البنفسج
ومن أسفار الذات
يغمرني الضوء وتبتلع نجومي الكسلى
الغيمة التي تقطر من جسدها المرايا
حيث غفت النار ..
وظمئت المواقد ..
أرتل تعاويذي على شفا حفرة من البوح
نجمة في الذاكرة ،
ومصابيح في عيون النهار
اقترب لا تخشى ..
المسني لا تخشى مني أنْ أجفل
كمقلة العين .. !
بين السموات والأرضيين
بأظفارك أقرع الزجاج ، لسوف يرن
كأجراس صينيّة تثيرها أرق النسمات
أنا لست ..
سوى أذن ، أنا ،
وصمت ، معزول هنا
تعبق روائحي زجاجات
العطر الفرنسي صلاة عاشرة
قبل التجلي الأخير
على جناحيّ فراشة
مريم ، وزحام العصافير
ومتاهة وحديث لا ورد ولا عطر
مطر كالرعشة
تنسلّ بقامات الوردة
تتدحرج في سيل الخطوات
تلتف بقاع الشمعة مواسم العقيق
كم وردة شقت في الطين جحوراً .. !!!!!!!!!!!!!!!
 
 
حين تُحاولُ أن تدخل بين ضفائر الريح، وتتوسّط بين موجة وموجة وتخرق ألسنة اللهب، حين تسعى إلى جدولة المعنى وفق منطق اللامعنى. حين تُجرّب كل ذلك فأنت تعمل على فهم سرّ الماء وحقيقة النار وجوهر الأشياء... هذه هي دفاتر الشاعرة فوزية أوزدمير التي تُعبّر عنها قصيدتها. تدعونا إلى فهم سرّ التكوين كما يتجلى ذلك في آخر سطر في النصّ: " كم وردة شقّتْ في الطين جحورا"، لكن لا يجب أن نرضى بهكذا تحليل، لا أمان في استعارات الشاعرة، فكل كلمة في الجملة قد تفتح نافذةَ تأويلٍ أخرى. فلفظة الطين في الجملة الأخيرة تنزاح بفكرة مسألة الخلق التي أشرتُ إليها من العموم إلى الخصوص، تحديدا عندما يتعلّق الأمر ب"الطّين" فيقترن بالجسد، وقتها نخرج من مجال الخلق والتكوّن البشري إلى مستوى ذاتي يتصل مباشرة بفكرة العشق بمعناها المباشر، ويستوي النص نوعا من السير الذاتي يُصاغ في شكل تأمّلات، فنغادر التأمل العقلي في مسألة التكوّن إلى التأمّل الشخصي في مسألة الوجدان/العالم الشعوري الشخصي. قد يحتاج هذا التأويل إلى سندات من داخل النص. يأتي الجواب من بنية الخطاب القائمة على الإنشاء الطّلبي :" اقترب/لا تخشى/المسني/لا تخشى منّي أن أجفل "، فالمتلقي هوية رجل قائم في صلب الخطاب سمتُهُ التّردّد والتّوجّس. ليجانس روحه في الكوخ الطّيني في حالة توحّد وانصهار. ولسنا هنا في حالة تصوّف قُصوى رغم الأجواء الصوفية التي تحيط النص من البداية إلى النهاية، إنما هي حالة عشق بشري بالطين والروح لأن الطرف الآخر ليس " الله" كما عند الصوفية إنما هو من آدم له حضور مُعاين مادي وإن ارتقت به الشاعرة إلى ما فوق بشري
فها هي تدعوه إلى وصال على تلك الطريقة، تفتحُ زجاجها لينفذ إلى الروح وينظر من خلالها إلى العالم وهو يُصبحُ وحدة لا انشطار فيها: " بأظافرك اقرع الزجاج... " دعوة إلى تجاوز البلّور السّميك نحو الروح،
فلا بدّ للأظافر أن تنغرس في الزجاج/اللحم للعبور نحو الضياء في الباطن الروحي " في كهف الزعفران" الذي تستعير له أوزدمير أجواء الطقوس الحلبية المؤثثة بالأشياء الصوفية ( قناني البخور المعتقة/ أرتّلُ تعاويذي... )، فالفلسفة الصوفية في هذا النص هي لبوس لمعان ليست مشغل الصوفية، بمعنى أن التصوف هنا أسلوب أكثر منه دلالة. وهو تقية عن مسرود السير ذاتي، لا بدافع الخوف، بل بهدف التجميل اللغوي.
وفي سياق هذا السير ذاتي تسعى الشاعرة إلى أن تُعرّف بذاتها إلى المتلقي الأوّل، ثمّ المتلقي الثاني الذي يُصبح بعد ذلك جمعا. وإذا كان المتلقي الأوّل ثاويا في النص قريبا من المعنى، بل شريك فيه فإن المتلقي الثاني موجود خارج النص وكلّ محاولة للشاعرة كي تقرّب له المعنى إلا أنها تعود إلى التعتيم. إنها تشي بأنها طينية مثله/المتلقي، ولكنها سرعان ما تُصوّر نفسها طيفا أثيريا، لا يُرى إلا من خلال الزجاج. آية ذلك أنها " تتجلّى" وهو فعل يمارس تعريف الهوية أنثى شاعرة متجاوزة للأزمنة والأمكنة يتمازج فيها الشرق ( بصوفيته) مع الغرب( العطر الفرنسي/مريم : الرمز المسيحي... ) ولكن الشاعرة تزيد في منسوب الغموض عندما تذهب في المجاز مذاهب شتّى، فتضيف الى العصافير الزحام وتقرن المطر بالرعشة في علاقات غريبة على عالم المنطق. فيصبح الكون الشعري لفوزية أوزدمير شكلا من عولمة المجاز وتصريفه وفق مقاسات ذاتية تتجاوز المقاسات المصطلح عليها والمألوفة.
لكننا لن نخرج بالتحليل إلى ما استنجناه منذ البداية، وهو أن كل هذه التهويمات في الشرق والغرب، في المكان وخارجه، في الزمان ووراء ظهره. إنما يدخل في إطار الأنا والهو، والعشق المستعصي النابت خلف الزجاج بعيدا عن القلب والروح، وهو مازال يحفر بأظافره في ذلك الزجاج، وهي لا تكلّ من دعوته إلى الجهاد في حربه ضد الطين حتى يُنبت الوردة ويُوجد لنفسه جحورا في ذلك الضوء الساكن فيها.
فلعلّ أظافرة لا تنسلّ ويصيبها الإعياء.
الشاعرة فوزية أوزدمير تضع نصّها وتتسلّل، وعلينا أن نشقى في مكابدتها، لكنه شقاء جميل.
دمت شاعرة متألقة.
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
إستطلاع ريال ميديا
الأموال القطرية بموافقة إسرائيلية و أمريكية وعجز السلطة لدفع رواتب موظفي حماس تكرس الانقسام ام مساهمة لحل مشكلة الموظفين لتنفيذ اتفاقات المصالحة؟
نعم
لا
ربما
لا أعرف
ليس ذي علاقة
ينتهي التصويت بتاريخ
20/12/2018