الاربعاء, 14 نوفمبر 2018, 18:38 مساءً
حوار مع الروائي السوري حنا مينه :
الأدب لا يولد من التعقيدات الشكلية
06/09/2018 [ 23:30 ]
تاريخ الإضافة:
الأدب لا يولد من التعقيدات الشكلية


حاوره عزالدين المناصرة (دمشق، 1975)

 
في ديسمبر 1975، قررت كمحرر ثقافي لمجلة فلسطين الثورة في بيروت، تغذية القسم الثقافي بحوارات مع مثقفي سوريا، فأجريت سلسلة من الحوارات، كان من بينها حوار مع الروائي حنا مينه، والآخر مع أحد رواد القصة القصيرة في سوريا سعيد حورانية. وكان الهدف، هو إبراز تعاطف مثقفي سوريا مع الثورة الفلسطينية، أكثر من الحوار مع الكاتب حول تجربته الإبداعية الخاصة، التي أفردت لها حوارات نشرت آنذاك في صحف لبنانية، والسبب هو أن قراء فلسطين الثورة، هم من الفدائيين، بشكل عام. ولهذا انصبت الأسئلة حول علاقة الكاتب بالفكر الثوري آنذاك. كنت ألتقيت الاستاذ حنا مينه سابقاً بصفتي شاعراً من شعراء الثورة، وامتدح الرجل خصوصيتي الشعرية، ملاحظاً أنني مستقل عن الزميلين درويش والقاسم في أساليبي الشعرية، وخصوصاً اتجاهي نحو (القصيدة المقاومة الحضارية). لكن زيارتي له في منزله بدمشق، كانت زيارة صحافية، فما إن اتصلت به هاتفياً، حتى أصر على الحضور الفوري. واستقبلني الرجل ببشاشته المعهودة، وسألني عن آخر مجموعاتي الشعرية. لكني فاجأته بالقول، (جئتك صحافياً)، فضحك وقال (اللهم اجعله خيراً!!). واستمر الحديث عن حياته الشخصية أو عن عائلته وأولاده، بناء على تحريك لذاكرته مني ولم أسجل لكي يكون مدخلاً طبيعياً للحوار. ثم "تناقشت معه حول شخوص رواياته، التي كنت قد قراتها جميعاً. ثم قال: هات ما عندك... (حنا مينه)، روائي عربي معروف، من أعماله الروائية والقصصية: المصابيح الزرق –الشراع والعاصفة- الثلج يأتي من النافذة- الياطر- بقايا صور- (من يذكر تلك الأيام- بالاشتراك مع الدكتورة نجاح العطار)، وسيصدر له قريباً بالاشتراك أيضاً مع نجاح العطار، كتاب بعنوان "أدب الحرب". التقيته في منزله بدمشق ووجهت له هذه الأسئلة. وقد أجاب مشكوراً بما يلي: 
 
•    برز الأدب المقاوم أثناء معارك الشعوب في سبيل حريتها: فرنسا، الاتحاد السوفياتي مثلاً، كيف لعب هذا الأدب دوره أثناء المعارك؟، وهل تعتقد أن لهذا الأدب صفة الشمولية والديمومة؟، هل يمكن تعداد بعض النماذج؟ 
 

حنا: عندما تنشب المعارك، بين الشعوب وأعدائها من المحتلين، يصبح الإنسان في قلبها تصبح هي أيضاً في قلبه. تصير رؤيا أساسية، لأنها أساس الواقع الذي يعيشه. وفي هذه الحال، ليس من كاتب أو فنان أو إنسان بقادر على أن يكون خارج الإطار، وأن تمر به معارك الحرية وهو في محترفه أو مكتبه أو برجه العاجي. شعوب العالم وقفت ضد النازية التهلرية. ويسمى الناقد (غالي شكري) أدب الحرب، بأنه "العناد الروحي الثقيل الذي يملك وحده صياغة وجدان المقاتل" وهذا "العتاد الثقيل"، كان له شأن كبير في المقاومة وفي النصر، الذي تحقق على النازية، حتى أن تاريخ الحرب العالمية الثانية، لا يمكن، بأية حال، فصله عن تاريخ الأدب الذي كتب خلالها. وقد منح أدب المقاومة في الحرب، من خلال (ايليا إهرنبورغ)، الكاتب السوفياتي، أرفع الأوسمة وأكبر التقدير. ففي 21 آب 1942، وجه قائد الفرق السوفياتية المدرعة، والأمر اليومي التالي الى فرقته: "نظراً للشعبية الواسعة التي يتمتع بها الكاتب ايليا إهرنبورغ في أوساط الجنود، وللأهمية السياسية الكبرى، التي تمثلها مقالاته المتألقة بالصمود والشجاعة وحب الوطن والاستهانة بالموت، واستجابة لرغبة منظمة الشبيبة في الفرقة، فإن الأوامر، قد صدرت بتسجيل اسم الكاتب في (لائحة الشرف) في الفرقة، في الفوج الأول المدرع". وهذا التكريم لأدب المقاومة في زمن الحرب، وباختصار لأدب الحرب، سنجد تعبيراً آخر له للشاعر السوفياتي سوركوف: (أخلص شهادة يحصل عليها الكتاب من قرائهم في زمن المعركة، هي هذه القصاصات، التي توجد في جيب سترته (قصاصة مكتوبة بالدم)، وإن هذه تحمل قصيدة لأحد الشعراء، هذا الواقع هو أروع شهادة بالنسبة لإنسان يكتب من أجل وطنه). 
الأدب له صفة الشمولية تماماً، وقد ناقشت الدكتورة نجاح العطار في مقالها (تشرين والأدب)، هذه النقطة مناقشة جيدة، خلال الأيام الأولى، عن دور الأدباء في المقاومة، وعما إذا كان ثمة تعارض بين القول والفعل، وذلك على أثر الكلمة، التي وجهها توفيق الحكيم الى وزير الثقافة وطلب فيها أي عمل يفيد المعركة أكثر. وقد نفت الدكتورة العطار، أي تعارض بين الكلمة والفعل، واستشهدت بذلك الصدد بقول شاعر المقاومة بول إيلوار: "ينبغي أن تكون القصيدة متخذة معنى قيماً، فمن الضروري أن تتوافق المناسبة مع أكثر رغبات الشاعر، مع قلبه وفكره، ومع عقله... على المناسبة أن تتطابق والمناسبة الداخلية، كما لو أن الشاعر نفسه هو الذي أوجدها، فتصبح بهذا حقيقة كالزهرة التي يفتقها الربيع، كفرح الحياة ضد الموت. إن الشاعر يتبع فكرته، ولكن هذه الفكرة تقود الى أن يكتب نفسه على الخط البياني للتقدم الإنساني". 
ثمة نماذج كثيرة معروفة للأدباء الفرنسيين، والسوفيات والأدباء من مختلف الشعوب، عن أدب المقاومة، يمكن لمن يشاء أن يرجع إليها، فيتأكد من شمولية وديمومة هذا الأدب.
•    أثناء المعارك الوطنية، ينبثق فن يتسم بطابع النضال هل تعتقدون أن هذا الفن يحقق المعادلة بين التأثير الجماهيري والنضج الفني. 
حنا: نعم، وبكل تأكيد، وأحسب أن الجواب الأول، قد أعطى الرد أيضاً على السؤال الثاني، إن روايات مثل "وداع السلاح" لهمنغواي، و"الدون الهادئ" لشولوخوف، و"أفول القمر" لشتاينك، وقصائد إيلوار واراغون، وفابتساروف وتفاردوفسكي، وكروسمان، وسيمونوف، وعشرات غيرهم، تقدم الدليل على أن عطاءاتهم الأدبية، حقق معادلة التأثير في الجماهير والنضج الفني. 
•    ما هو الأثر الذي أحدثته الثورة الفلسطينية في إنتاج الكتاب العرب؟ ما هي إيجابيات تجربتهم وسلبياتها. وما هي الوسيلة التي تكون أكثر فاعلية في العلاقة الجدلية بين الثورة والأثر الفني؟ 
حنا: كان للثورة الفلسطينية أدبها الثوري الفلسطيني، وهذا الأدب أثر في مجمل الأدب العربي منذ أواسط الستينات وما يزال، إن (شعر المقاومة في الأرض المحتلة)، وخارجها في (شعر الثورة الفلسطينية)، هو أدب مقاوم، ولكن قبل أن تقوم هذه الثورة وتتجسد المقاومة فعلاً، ما كان يمكن أن يكون هناك، أدب مقاوم. لقد (ارتفعت نبرة هذا الأدب حتى غطت كل النبرات الأخرى) في الأدب العربي، وكانت كمية أدب المقاومة، وخاصة الشعر، ومن قبل الشعراء الفلسطينيين في الأرض المحتلة، وفي الثورة الفلسطينية، وفيرة، باهرة، فاضت عن أوعيتها لتغدو زيتاً ملتهباً في أوعية الكتاب والشعراء العرب، وصار التعبير عن المقاومة في الأدب، هماً أدبياً بالنسبة للجميع، وإن ظل، من حيث النوع، أدب الكتاب الفلسطينيين هو الأرفع، وصاحب التأثير الأنفذ، والخميرة التي ستشيع النسغ الخميري في العجين كله، ليكون منه هذا الخبز المقدس لأدب المقاومة العربي كله. أما الحديث عن إيجابيات وسلبيات أدب المقاومة الفلسطيني، فلا يمكن الكلام عنه في سطرين، لذلك لن أجيب على هذا الشطر من السؤال، غير أنني أقول إن إيجابياته أكثر من سلبياته، خاصة عندما يلتصق بالجماهير ويعبر عن همومها وكفاحها وبطولاتها، بلغة شعرية تنبع من عفوية ونضالية الأديب، وليس انطلاقاً من التعقيدات والأشكال الشعرية الحداثية، المقصودة لذاتها، ولإبهار القارئ العلاقة بين الثورة والأثر الفني، علاقة جدلية من الطراز الأول، هي تمده بالمادة الخام، وهو يمدها بالمعاناة والإلهام، أي أن الثورة تكبر وتنفجر بالأدب المعبر عنها، والأدب يكبر ويتفجر بالثورة التي هي مادته. 
•    كيف يمكننا خلق (جبهة ثقافية عربية عريضة مشاركة) للثورة الفلسطينية؟ وما هو مفهوم المشاركة؟ 
حنا: مفهوم المشاركة في الثورة أن تكون في قلبها أو على صلة ما بها، لأنه بدون معاناة الثورة نضالاً وهماً، لا يمكن التعبير الأصيل عنها. ويمكن أن تأخذ منظمة التحرير الفلسطينية المبادرة في الدعوة الى ندوة للبحث في إنشاء جبهة ثقافية عريضة مشاركة للثورة. 
•    أين تقع مكانة الأدب الفلسطيني في الأدب العربي المعاصر؟ 
حنا: إذا كان المقصود بذلك أدب المقاومة الفلسطيني (حالياً)، فإن مكانه (يقع في الصدارة) في الأدب العربي في وقتنا الراهن، وقد كان له الفضل في شق الطريق لهذا النوع من الأدب، الذي يحمل جوهر القضية العربية، على اعتبار أن القضية الفلسطينية، هي جوهر القضية العربية أيضاً. 
________________
•    مجلة فلسطين الثورة، بيروت، العدد السنوي، 1/1/1976.

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
إستطلاع ريال ميديا
الأموال القطرية بموافقة إسرائيلية و أمريكية وعجز السلطة لدفع رواتب موظفي حماس تكرس الانقسام ام مساهمة لحل مشكلة الموظفين لتنفيذ اتفاقات المصالحة؟
نعم
لا
ربما
لا أعرف
ليس ذي علاقة
ينتهي التصويت بتاريخ
25/11/2018